موضوع التقيّة ، وهو احتمال الضرر ولو ضعيفاً .
ويشهد لذلك ما رواه حمّاد بن عيسى عن عبد اللَّه بن حبيب ( جندب ) عن أبي الحسن عليه السلام في قول اللَّه عزّوجلّ :
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
« 1 » ، قال : « أشدّكم تقيّة » « 2 » ، فإنّ ذلك وإن كان من أحد مصاديق التقيّة ، فإنّ التقيّة قد تكون من اللَّه سبحانه وقد يكون من العامة وغيرهم .
إلّاأنّ الرواية تدلّنا على أنّ من كان شديد المواظبة على التقيّة فهو أتقى وأكرم عند اللَّه ، وهذا كافٍ في رجحان شدّة المواظبة على التقيّة .
ويمكن التمثيل للتقيّة المستحبّة أيضاً بما إذا اكره مكره على إظهار كلمة الكفر أو التبرّي من أمير المؤمنين عليه السلام بناءً على أنّ التقيّة وقتئذٍ بإظهار البراءة أرجح من تركها ومن تعريض النفس على الهلاكة والقتل » « 3 » .
ثمّ ذكر أنّ التقيّة بالمعنى الأعم - أي التحفّظ عمّا يخاف ضرره ولو في الأمور التكوينية - فهي في الأصل محكومة بالجواز والحلّية ؛ وذلك لقاعدة نفي الضرر « 4 » ، وحديث رفع ما اضطرّوا إليه « 5 » ، وما ورد من أنّه ما من محرّم إلّا وقد أحلّه اللَّه في مورد الاضطرار « 6 » ، وغير ذلك ممّا دلّ على حلّية أيّ عمل عند الاضطرار إليه .
ثمّ قال : وأمّا التقيّة بالمعنى الأخصّ - أي التقيّة من العامة - فهي في الأصل واجبة ؛ وذلك للأخبار الكثيرة الدالّة على وجوبها ، بل دعوى تواترها الإجمالي والعلم بصدور بعضها عنهم عليهم السلام - ولا أقل من اطمئنان ذلك - قريبة جدّاً . . .
فالتقيّة بحسب الأصل الأوّلي محكومة بالوجوب .
ثمّ إنّ التقيّة بالمعنى الجامع بين التقيّة بالمعنى الأعم والتقيّة المصطلح عليها قد تتّصف بالوجوب ، كما إذا ترتّب على تركها مفسدة لا يرضى الشارع بوقوع المكلّف فيها كالقتل . . .
وقد تتّصف التقيّة - بالمعنى الجامع المتقدّم - بالحرمة التشريعية ، وهذا كما إذا أجبره الجائر على الصلاة خلف من نصبه إماماً للجماعة أو خلف رجل آخر علمنا فسقه ، فإنّه إذا صلّى خلفه ناوياً بها التقرّب والامتثال فقد فعل محرّماً تشريعياً لا محالة ؛ لأنّ التقيّة تتأدّى بصورة الصلاة معه ، وحيث إنّه يعلم ببطلانها وعدم كونها
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 .
( 2 ) الوسائل 16 : 212 ، ب 24 من الأمر والنهي ، ح 31 .
( 3 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 4 : 257 - 258 .
( 4 ) انظر : قاعدة لا ضرر في كتاب رسائل فقهية ( تراثالشيخ الأعظم ) : 109 - 112 . وفيها روايات كثيرة : منها : ما اشتهر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصّة سمرة بن جندب ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم للأنصاري : « اذهب فاقلعها وارم بها إليه ؛ فإنّه لا ضرر ولا ضرار » . الوسائل 25 : 428 - 429 ، ب 12 من إحياء الموات ، ح 3 .
( 5 ) ( ) الوسائل 15 : 369 ، 370 ، ب 56 من جهاد النفس ، ح 2 ، 3 . ومنها : عن حريز بن عبد اللَّه عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : رفع عن امّتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما اكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة » . الوسائل 15 : 369 ، ب 56 من جهاد النفس ، ح 1 .
( 6 ) الوسائل 5 : 483 ، ب 1 من القيام ، ح 7 . وهي روايةأبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن المريض ، هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه ؟ فقال : « لا ، إلّاأن يكون مضطرّاً ليس عنده غيرها ، وليس شيء ممّا حرّم اللَّه إلّاوقد أحلّه لمن اضطرّ إليه » .