فقال : قال أبو جعفر عليه السلام : « التقيّة من ديني ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقيّة له » « 1 » .
ومنها : رواية عبد اللَّه بن أبي يعفور ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : « التقيّة ترس المؤمن ، والتقيّة حرز المؤمن ، ولا إيمان لمن لا تقيّة له . . . » « 2 » .
وهذه الأخبار واضحة الدلالة على جواز التقيّة وأهمّيتها ، لكنّ التدبّر فيها وفي الظروف التي صدرت فيها وفي القرائن الموجودة في كثير منها يرشدنا إلى سرّ هذه التأكيدات ويرفع النقاب عن الإبهام فيها ويفسّرها تفسيراً تامّاً .
والظاهر أنّ سرّ هذا الاهتمام يكمن في أمرين مهمّين :
أحدهما : أنّ كثيراً من عوام الشيعة أو بعض خواصّهم كانوا يناهضون الحكومات والأنظمة الأموية والعبّاسية الفاسدة بلا عدّة ولا عدد ولا تخطيط صحيح ولا محجّة واضحة .
فيلقون بأنفسهم إلى التهلكة حيث كانوا يرون إعلان عقيدة الحقّ - ولو لم يكن نافعاً - أمراً واجباً ، وإخفاءها حراماً وإن كان حافظاً للنفوس والأعراض ومفيداً لحفظ المذهب وكيانه ، فنهاهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن ذلك .
ويشهد لذلك ما ورد عنهم عليهم السلام في وصفها بأنّها جنّة ، وترس المؤمن ، وأمثال ذلك .
ثانيهما : أنّ كثيراً من عوام الشيعة وبعض خواصهم كانوا يعتزلون غيرهم من المسلمين من الجمهور ولا يعاشرونهم ؛ لاعتقادهم بأنّهم إن أظهروا عقيدتهم ربما وقعوا في الخطر والضرر وجلب البغضاء والعداوة ، وإن أخفوها كانوا مقصّرين في أداء ما عليهم من إظهار الحقّ ، غافلين عن المضارّ المترتّبة على مثل هذا العمل من شقّ العصا ، وتركهم لجماعة المسلمين ، وإيجاد الفرقة بين الامّة .
فندبهم الأئمّة عليهم السلام إلى معاشرتهم بالمعروف ومشاركتهم في الصلوات والعبادات ، وحسن الصحبة والجوار ؛ كيلا
هامش
( 1 ) الوسائل 16 : 204 ، ب 24 من الأمر والنهي ، ح 4 .
( 2 ) الوسائل 16 : 205 ، ب 24 من الأمر والنهي ، ح 7 .