ثمّ إنّه لو قلنا : إنّ البقاء على تقليد الميّت لم يكن متعارفاً في أزمنة المعصومين عليهم السلام ولكن مع ذلك يمكن أن نستكشف من عدم الردع عن أصل التقليد أنّ تمام النكتة العقلائية لهذا العمل الخارجي يكون مورداً لإمضائه ، فإنّ المعصوم له منصب التشريع وإبلاغ أحكام اللَّه تعالى وتصحيح أو تغيير ما ارتكز عند الناس من السير العقلائية ، ولو كانت في المقام نكتة - نفياً أو إثباتاً - لوجب أن ينبّه عليها ويصرّح بها ، فسكوته وعدم ردعه ظاهر في إمضاء تمام النكتة العقلائية في السيرة « 1 » .
بل يمكن أن يقال : إنّ عدم تعارف تقليد الميّت بقاءً في زمانهم عليهم السلام لا يضرّ بحجّية السيرة كما لا يضرّ عدم تعارف أصل التقليد في تلك الأزمنة بالحجّية ؛ إذ التقليد من الأمور المستحدثة التي يترقّب عادة حصولها في المستقبل ، فلو لم تكن السيرة مرضية عند الشارع في مورد المسائل الشرعية لوجب عليه الردع عن أصل السيرة أو بعض مصاديقه كالبقاء على تقليد الميّت ، فمن عدم ردعه وسكوته نستكشف إمضاءه لها في تمام نكتها العقلائية .
3 - إطلاق الأدلّة اللفظية الدالّة على جواز التقليد من الآيات والروايات ، فإنّ إطلاق هذه الأدلّة يعمّ تقليد الميّت بقاءً بعدما تحقّق الرجوع إليه وتقليده في حال حياته كما يعمّ تقليد الحي بقاءً ، غاية الأمر أنّ هذه الأدلّة تدلّ على اعتبار الحياة في المرجع بحسب حال الحدوث ؛ لظهور العناوين الواردة فيها في الفعلية ، وأمّا بحسب حال البقاء فلا دلالة فيها على اعتبارها بوجه ، بل مقتضى إطلاقها عدم اعتبارها « 2 » ، ولذا قلنا : إنّ الأدلّة اللفظية غير صالحة لأن تكون رادعة عن السيرة العقلائية .
الصورة الثالثة - ما إذا علم العامي بمخالفة المجتهد الميّتِ الحيَّ في الفتوى :
وهنا تارةً يحرز أعلمية أحدهما وأخرى لا يحرز ذلك ، فعلى الأوّل يتعيّن
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 242 - 245 . دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام ( مجلّة فقه أهل البيت عليهم السلام ) 37 : 108 .
( 2 ) انظر : تفصيل الشريعة ( الاجتهاد والتقليد ) : 214 .