وأمّا سيرة المتشرّعة فاتّصالها بزمان الأئمّة عليهم السلام غير محرز ؛ لأنّ التقليد وإن كان أمراً ثابتاً في ذلك الزمان غير أنّه لا يعلم أنّ الفقهاء في ذلك الزمان كانوا مختلفين في الرأي والفتوى ، فإنّ الأدلّة الشرعية معلومة لهم غالباً لعدم واسطة بينهم وبين الأئمّة عليهم السلام فلا يدلّ سكوتهم وعدم ردعهم على إمضاء السيرة .
وأمّا سيرة المتشرّعة الجارية في العصور المتأخّرة فيحتمل أنّ منشأها فتوى الفقهاء بالتخيير ، وهذا الاحتمال لا دافع له بوجه ، فلا قيمة لهذه السيرة « 1 » .
وأمّا الاستدلال بالأدلّة اللفظية فهي على طائفتين :
الطائفة الأولى : النصوص الدالّة على حجّية فتوى الفقيه من الآيات الكريمة والروايات المتقدّمة ؛ فإنّ إطلاقها ليس شمولياً لتدلّ على لزوم الرجوع إلى جميع الفقهاء فيلزم التعارض والتساقط لدى اختلاف الآراء والفتاوى ، بل بدلي ؛ بمعنى أنّها تدلّ على لزوم الرجوع إلى أحدهم على سبيل البدلية ، وعليه فعند التعارض والاختلاف يجب الأخذ بإحدى الفتاوى المتعارضة من دون أن ينتهي التعارض إلى التساقط .
وهذا بخلاف أدلّة حجّية خبر الثقة فإنّ إطلاقها شمولي ، والسرّ في ذلك : أنّ الطبيعة في حجّية خبر الثقة اخذت بنحو الوجود الساري ، فكلّ فرد من الأخبار تشمله أدلّة الحجّية تعييناً ، فلا يعقل جعل الحجّية التعيينية في المتعارضين ولا جعل الحجّية التعيينية في غيرهما والتخييرية فيهما بدليل واحد ، فلا مناص إلّامن القول بعدم الإطلاق لحال التعارض .
وأمّا الطبيعة في حجّية قول الفقهاء فأخذت على نحو صرف الوجود ؛ ضرورة أنّه لا معنى لجعل حجّية قول كلّ عالم بنحو الطبيعة السارية والوجوب التعييني حتى يكون المكلّف في كلّ واقعة مأموراً بأخذ قول جميع العلماء فإنّه واضح البطلان .
فالمأمور به هو الوجود الصرف ، فإذا أخذ بقول واحد منهم فقد أطاع فلا مانع
هامش
( 1 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 167 - 168 .