حجّتان تخييريتان ؛ وذلك لأنّهما ساقطتان عن الحجّية بالتعارض فليست هناك حجّة لتكون الأورعية مرجّحة لإحداهما على الأخرى ، بل التخيير هنا من أجل أنّ العقل يتنزّل من الامتثال القطعي إلى الامتثال الاحتمالي .
ومن الواضح أنّ العمل على طبق فتوى الأورع والعمل بفتوى غير الأورع كلاهما امتثال احتمالي ، فلا موجب لتقدّم أحدهما على الآخر بوجه « 1 » .
وأمّا إذا كان أحد المجتهدين أورع من الثاني إلّاأنّ الثاني أعلم من الأورع ، فقال الشيخ الأنصاري في طرح المسألة وذكر الأقوال : « ولو دار الأمر بين الأعلم والأورع ففي ترجيح أيّهما أو التخيير أقوال ، وتقديم الأعلم لا يخلو عن قوّة ، وكأنّه المشهور ، بل لم نجد القول بالأورع لعلمائنا . نعم ، عن المنية أنّه حكاه عن قوم » « 2 » .
والتحقيق في المسألة : هو أنّ تقديم الأورع ليس له دليل تام إلّاقاعدة الاشتغال المقتضية لتقديم فتوى الأورع على فتوى غيره ؛ وذلك لما تقدّم من أنّ العمل بفتوى الأورع معذّر يقيناً ، وأمّا معذّرية فتوى غير الأورع فغير معلومة ، ولكن في هذه الصورة أنّ مقتضى سيرة العقلاء على مرجّحية الأعلمية هو أنّ فتوى الأعلم ولو لم يكن أورع تكون معذّرة ، وعليه فلا مجال لجريان قاعدة الاشتغال « 3 » .
هذا كلّه فيما إذا اختلفا في الفتوى .
وأمّا إذا كانا متّفقين في الفتوى فلا يأتي هذا البحث ؛ إذ لا دليل على لزوم الاستناد إلى أحدهما المعيّن عند الموافقة ، فلا تكون الأورعية مرجّحة بوجه ، بل وكذا الحال فيما إذا لم يعلم المخالفة بينهما في نظر بعض الفقهاء ، في حين ذهب بعضهم إلى وجوب اختيار الأورع في هذه الصورة « 4 » ، وعليه يأتي الكلام المتقدم في لزوم الترجيح بالأورعية وعدمه .
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 177 .
( 2 ) التقليد ( تراث الشيخ الأعظم ) : 70 .
( 3 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 176 .
( 4 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 173 - 174 .