والكلام في هذه المدارك الثلاثة كما يلي :
1 - الظواهر التي يفهمها العربي الفصيح :
المراد من ظاهر القرآن الكريم هو الظاهر الذي يفهمه العارف باللغة العربية الصحيحة الفصيحة من اللفظ ، ولم تقم على خلافه قرينة عقلية أو نقلية معتبرة ، وكذا الظواهر التي دلّت القرائن النقلية المعتبرة على خلافها ، كالعمومات المخصّصة والمطلقات المقيّدة « 1 » .
وقد وقع البحث عند الأصوليين في حجّية الظواهر ، ولا إشكال - في الجملة - في حجّية الظواهر ، من غير فرق بين ظواهر الكتاب وغيره ، ولا بين كلام الشارع وغيره ، ولا بالنسبة إلى من قصد إفهامه وغيره « 2 » .
ويدلّ على حجّية ظواهر الكتاب ما يلي :
1 - إنّ القرآن الكريم نزل ليفهم الناس معانيه ويتدبّروا آياته ، ويجعلوا أعمالهم طبقاً لأوامره ونواهيه ، وعقائدهم وفقاً لما دلّ عليه ، فهو لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام معانيه ، فلا محيص عن القول باعتبار ظواهر الكتاب كسائر الكتب الموضوعة للتفهيم .
وقد حثّ القرآن الكريم الناس على التدبّر في آياته فقال :
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها »
« 3 » بعد أن يسّر فهمها لهم فقال عزّ من قائل :
« هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ »
« 4 » ، وقال سبحانه :
« فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
« 5 » ، وقال :
« وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ »
« 6 » .
2 - إنّ اللَّه تبارك وتعالى قد تحدّى البشر أن يأتوا بمثل القرآن ، ولو كان القرآن عصيّاً على الفهم ومن قبيل الألغاز لما كان وجه لهذا التحدّي ، ولاعترض على ذلك فصحاؤهم وبلغاؤهم .
هامش
( 1 ) مدخل التفسير : 161 .
( 2 ) أنوار الهداية 1 : 241 .
( 3 ) محمّد : 24 .
( 4 ) آل عمران : 138 .
( 5 ) الدخان : 58 .
( 6 ) القمر : 17 .