ما شاؤوا ويحرّموا ما شاؤوا من غير وحي وإلهام أو يغيّروا ما أوحى إليهم بآرائهم ، وهذا باطل لا يقول به عاقل ، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينتظر الوحي أيّاماً كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده ، وقد قال تعالى :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
« 1 » .
وثانيهما : أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلّاما يوافق الحقّ والصواب ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيّته تعالى في كلّ باب فوّض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في الصلاة وتعيين النوافل في الصلاة والصوم وطعمة الجدّ وغير ذلك ممّا مضى وسيأتي إظهاراً لشرفه وكرامته عنده ، ولم يكن أصل التعيين إلّابالوحي ، ولم يكن الاختيار إلّا بإلهام ، ثمّ كان يؤكّد ما اختاره صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ، ولا فساد في ذلك عقلًا ، وقد دلّت النصوص المستفيضة عليه ممّا تقدّم في هذا الباب وفي أبواب فضائل نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم من المجلّد السادس .
ولعلّ الصدوق رحمه الله أيضاً إنّما نفى المعنى الأوّل حيث قال في الفقيه : وقد فوّض اللَّه عزّوجلّ إلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر دينه ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده . وأيضاً هو رحمه الله قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرّض لتأويلها .
الثالث : تفويض أمور الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما يعلموا وهذا حقّ لقوله تعالى :
« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا »
« 2 » ، وغير ذلك من الآيات والأخبار ، وعليه يحمل قولهم عليهم السلام : « نحن المحلّلون حلاله والمحرّمون حرامه » « 3 » أي بيانهما علينا ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا ، وبهذا الوجه ورد خبر أبي إسحاق « 4 » والميثمي « 5 » .
الرابع : تفويض بيان العلوم والأحكام
هامش
( 1 ) النجم : 3 - 4 .
( 2 ) الحشر : 7 .
( 3 ) انظر : مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام : 26 ، معاختلاف فيه .
( 4 ) الكافي 1 : 265 ، ح 1 . وانظر : المستدرك 17 : 272 ، ب 7 من صفات القاضي ، ح 17 .
( 5 ) الكافي 1 : 268 ، ح 9 . وانظر : البحار 25 : 332 ، ح 9 .