موكول إلى رأي الحاكم الشرعي ، ويكفيه صدق اسم الغربة عليه ، كما عليه جملة من فقهائنا « 1 » ، واحتاط به بعضهم « 2 » ؛ استناداً للأصل والعمومات والإطلاقات ، وعدم دليل معتبر على اعتبار مسافة معيّنة ، وصدق الإخراج في التغريب إلى ما دون المسافة « 3 » .
قال السيّد السبزواري : إنّ تعيين محلّ النفي منوط بنظر الحاكم ؛ لأنّ نظره متّبع مطلقاً إن لم يكن فيه دليل بالخصوص .
وما ورد من تبعيد الإمام علي عليه السلام رجلين من الكوفة إلى البصرة - كما في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال :
« النفي من بلدة إلى بلدة » ، وقال : « قد نفى علي عليه السلام رجلين من الكوفة إلى البصرة » « 4 » - قضيّة في واقعة ، لا لأجل اعتبار المسافة ، بل المناط صدق الغربة والتبعيد عرفاً « 5 » .
القول الثاني : اشتراط المسافة الشرعية في السفر ، كما عليه العلّامة الحلّي في القواعد « 6 » وتبعه بعض شرّاح القواعد « 7 » وغيرهم « 8 » ؛ وذلك لعدم حصول البراءة بالأقل من مسافة القصر ، وعدم صدق التغريب ؛ لأنّ الخارج إلى ما دونها كالمقيم « 9 » .
القول الثالث : وهو تحديده بأدنى بلد من بلاد الإسلام إلى الشرك ، كما عليه ابن سعيد في جامعه « 10 » .
ولعلّه « 11 » لما ورد عن بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال : « كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا نفى أحداً من أهل الإسلام نفاه إلى أقرب بلد من أهل الشرك إلى الإسلام . . . » « 12 » .
هذا ، وقد ذكر بعض الفقهاء بأنّ بعض الأخبار قد حدّدت المسافة بخمسين فرسخاً « 13 » ، ولكن لم يفتِ به أحد من الفقهاء ؛ لضعفه كما صرّح به بعضهم « 14 » .
هذا كلّه بالنسبة إلى نفي وتغريب الإنسان ، وأمّا نفي وتغريب الحيوان كالبهيمة الموطوءة فإنّه وإن قلنا بنفيه وتغريبه من البلد - كما تقدّمت الإشارة إليه - إذا كان ممّا يقصد ظهره كالخيل والبغال والحمير ، ولكنّ الظاهر المستفاد من كلمات جماعة من الفقهاء أنّه غير مقيّد بمسافة خاصة ، بل المهمّ هو حصول النفي والتغريب عن بلد الواقعة حتى لا يعرف
هامش
( 1 ) المبسوط 5 : 335 . التحرير 5 : 320 . الروضة 9 : 110 . تحرير الوسيلة 2 : 418 ، م 4 . مهذّب الأحكام 27 : 276 .
( 2 ) المهذّب البارع 5 : 32 .
( 3 ) مهذّب الأحكام 27 : 276 . وانظر : الروضة 9 : 110 . كشف اللثام 10 : 472 .
( 4 ) الوسائل 28 : 122 ، ب 24 من حدّ الزنا ، ح 1 . وانظر : مباني تحرير الوسيلة ( الحدود ) 1 : 229 .
( 5 ) مهذّب الأحكام 27 : 276 .
( 6 ) القواعد 3 : 531 .
( 7 ) كنز الفوائد 3 : 597 . الإيضاح 4 : 484 - 485 . كشف اللثام 10 : 472 .
( 8 ) المهذّب البارع 5 : 32 .
( 9 ) كنز الفوائد 3 : 597 . الإيضاح 4 : 484 . كشف اللثام 10 : 472 .
( 10 ) الجامع للشرائع : 550 .
( 11 ) انظر : النفي والتغريب : 199 - 200 .
( 12 ) الوسائل 28 : 123 ، ب 24 من حدّ الزنا ، ح 6 .
( 13 ) كشف اللثام 10 : 472 . الدرّ المنضود 1 : 319 .
( 14 ) الدرّ المنضود 1 : 319 .