الأعلى بدت الميول الجاهلية تتحرّك وأبدت زبانيتها ، ومن هنا ما استطاع أصحاب الرأي والاجتهاد من الصحابة مواجهة ميول الناس ورغباتهم ، فأجابوا ميولهم ورغباتهم وحكموا في الإرث بالتعصيب .
وقد روى السيوطي عن الطبري وغيره احتجاج ابن عبّاس مع الخليفة عثمان بن عفّان في أمر حجب الإخوة للُامّ ، حيث قال له : إنّ الأخوين لا يردّان الامّ عن الثلث ، قال اللَّه تعالى :
« فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ »
« 1 » ، فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أردّ ما كان قبلي ، ومضى في الأمصار ، وتوارث به الناس « 2 » .
فإذا لم يستطع الخليفة السير وفق لسان قومه في مسألة حجب الامّ فكيف يستطيع رعاية المصالح في مسألة التعصيب التي كانت ميول الناس ورغباتهم معه حتى أنّهم حاولوا أن يقترحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يغيّر الحكم ، كما تقدّم في النصّ ؟ !
وفي المقابل خالف ابن عبّاس - حبر الامّة وربّانيها - القول بالتعصيب ، كما خالف القول بالعول ، ومن المعلوم أنّه تبع في ذلك الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، كما تبعه الأئمّة أهل البيت عليهم السلام من بعده ، فلذلك انعقد إجماعهم على بطلان التعصيب ، وسيأتي بيان ذلك عند ذكر أدلّة الطرفين .
رابعاً - نظام الإرث على التعصيب :
إنّ أساس الإرث يبتني على الرحم والقرابة ، إلّاأنّ الجمهور لا يرون القرابة بالأصالة إلّامن قبل الرجال ، فالقرابة عندهم في الإرث هي قرابة الرجال دون قرابة الإناث ، ولا تدخل قرابة الأنثى إلّا عند الترجيح « 3 » .
ومن هنا قيل : إنّ بناءهم في مطلق التوريث على التعصيب ، وكان إعطاء الزائد عن الفرض للعصبة من شعبه ونتائجه « 4 » .
وإليك نظام الإرث على أساس التعصيب :
هامش
( 1 ) النساء : 11 .
( 2 ) الدرّ المنثور 2 : 447 .
( 3 ) أحكام التركات ( محمّد أبو زهرة ) : 158 .
( 4 ) مستند الشيعة 19 : 140 .