صاحب الحقّ ، إن شاء استوفاه وإن شاء عفا « 1 » .
وتدلّ عليه عدّة روايات :
منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : قلت له : رجل جنى عليَّ ، أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان ؟ قال :
« هو حقّك إن عفوت عنه فحسن ، وإن رفعته إلى الإمام فإنّما طلبت حقّك ، وكيف لك بالإمام ! » « 2 » .
ومنها : خبر الحسين بن خالد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : سمعته يقول : « الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ ، ولا يحتاج إلى بيّنة مع نظره ؛ لأنّه أمين اللَّه في خلقه ، وإذا نظر إلى رجلٍ يسرق أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه » ، قلت : وكيف ذلك ؟ قال : « لأنّ الحقّ إذا كان للَّه فالواجب على الإمام إقامته ، وإذا كان للناس فهو للناس » « 3 » .
وفصّل بعض آخر بين ما إذا تاب قبل إقامة البيّنة والثبوت عند الحاكم فيسقط التعزير ، وبين ما إذا تاب بعد الثبوت عنده فإنّه يعزّر بما يراه الحاكم بطلب صاحب الحقّ « 4 » .
الثاني - عفو الحاكم :
المعروف بين الفقهاء أنّه يجوز للحاكم أن يعفو عن المجرم ويترك تعزيره ، كما أنّ له إقامة التعزير عليه « 5 » . لكن ذهب بعضهم إلى أنّه لا خلاف في أنّ التعزير إلى الإمام ، إلّا أنّه إذا علم أنّه لا يردعه إلّاالتعزير لم يجز له تركه ، وإن علم أنّ غيره يقوم مقامه من الكلام والتعنيف كان له أن يعدل إليه ، ويجوز له تعزيره « 6 » .
وفصّل بعضهم بين حقوق اللَّه وحقوق الناس ، فللحاكم العفو في الأوّل دون الثاني « 7 » ؛ لأنّ المستفاد من إطلاق الآيات والروايات الكثيرة - الواردة في العفو والإغماض ومن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام - جواز عفو الإمام عن حقوق اللَّه سبحانه إذا رآه صلاحاً ، ولم يوجب تجرّي المرتكب « 8 » .
وهنا تفصيل آخر ذكره بعض المعاصرين قائلًا : « إنّ التعزير الذي يباشره الحاكم تارة يكون ممّا جاء الأمر به في نصّ خاص كالنصوص التي أمرت بالتعزير على محرّمات معيّنة ، وأخرى يكون طبقاً للمصلحة العامة التي يتولّى الحاكم الحفاظ عليها شرعاً ، والقسم الأوّل من التعزير لا يقبل العفو عنه ؛ لأنّه مخالفة للنص وإنّما يجوز العفو في القسم الثاني إذا اقتضت المصلحة العامة » « 9 » .
ويمكن أن يستدلّ لجواز العفو عن التعزير بما يلي :
هامش
( 1 ) الكافي في الفقه : 420 . مجمع الفائدة 13 : 298 .
( 2 ) الوسائل 28 : 206 ، ب 20 من حدّ القذف ، ح 2 .
( 3 ) الوسائل 28 : 57 - 58 ، ب 32 من مقدّمات الحدود ، ح 3 .
( 4 ) التعزير أنواعه وملحقاته : 148 .
( 5 ) الخلاف 5 : 497 ، م 13 . التحرير 5 : 122 . القواعد والفوائد 2 : 106 . المسالك 13 : 376 . مجمع المسائل ( فارسي ) 3 : 208 .
( 6 ) الخلاف 5 : 497 ، م 13 .
( 7 ) المقنع : 430 - 431 .
( 8 ) دراسات في ولاية الفقيه 2 : 396 .
( 9 ) التشريع الجنائي الإسلامي : 109 . وانظر : التعزير أنواعه وملحقاته : 87 - 89 .