وبعد التساقط يرجع إلى أصالة الطهارة ويثبت بها طهارة المشكوك ، وهذا بخلاف رأي المشهور حيث التعارض عندهم إنّما يكون بين البيّنتين - لا الاستصحابين - وبعد تساقطهما يرجع إلى الاستصحاب ، ففي المثال المتقدّم يرجع إلى استصحاب النجاسة إذا كانت للمكلّف حالة سابقة وجدانية هي النجاسة « 1 » .
هذا فيما إذا أحرزت وجدانية البيّنة أو تعبّديتها ، وأمّا إذا لم يحرز ذلك بأن تردّد أمر البيّنة بين الوجدانية والتعبّدية فلهذه الحالة صور ثلاث :
الأولى : أن تكون إحدى البيّنتين معلومة الوجدانية والأخرى مردّدة بين الوجدانية والتعبّدية ، ففي هذه الحالة تسقط البيّنة المردّدة قطعاً ، إمّا لوجود المعارض إذا كانت وجدانية أو لكونها محكومة بالبيّنة الوجدانية إذا كانت تعبّدية ، بخلاف البيّنة الوجدانية ، فلا يعلم سقوطها وإنّما يشكّ في ذلك للشكّ في وجود المعارض لها ؛ لاحتمال وجدانية البيّنة الأخرى ، وكلّ أمارة لم يحرز معارض لها فهي حجّة « 2 » .
الصورة الثانية : أن تكون إحداها معلومة التعبّدية والأخرى مردّدة بين الوجدانية والتعبّدية ، فقد يتوهّم بأنّ معلومية التعبّدية ساقطة قطعاً ؛ إمّا للمعارض لاحتمال تعبّدية البيّنة المردّدة أو للحكومة لاحتمال وجدانيتها ، ولا علم بسقوط البيّنة المردّدة ؛ لعدم إحراز المعارض لها فتكون حجّة « 3 » .
لكنّ التوهّم المذكور ساقط باعتبار أنّه مبني على التمسّك بإطلاق دليل حجّية البيّنة إذا كانت البيّنة المردّدة وجدانية وبإطلاق دليل الاستصحاب إن كانت تعبّدية .
فإذاً الأمر مردّد في الحقيقة بين الإطلاقين ، وفي هذه الحالة إطلاق دليل الاستصحاب ساقط قطعاً ؛ لأنّ البيّنة المردّدة إن كانت وجدانية فلا موضوع للاستصحاب ، وإن كانت تعبّدية فالاستصحابان متعارضان .
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في شرح العروة 2 : 122 - 123 .
( 2 ) بحوث في شرح العروة 2 : 123 .
( 3 ) بحوث في شرح العروة 2 : 124 .