وأمّا إذا كان أحدهما أقوى من الآخر بحيث لو اجتمع المدركان الوجدانيان لدى السامع لحكّم أحدها على الآخر بحساب الاحتمالات ، فاللازم عندئذٍ تقديم البيّنة التي تدّعي الاستناد إلى الوجدان الأقوى ؛ لما تقدّم من أنّ دليل حجّية البيّنة ينزّل السامع منزلة الشاهد ولا يجعله أشدّ منه ، والمفروض أنّ السامع لو اجتمع لديه كلا وجداني البيّنتين لحكّم أحدهما على الآخر فكذلك مع التنزيل « 1 » .
وأمّا إذا كان مستندهما معاً تعبّدياً فهذا يشتمل على فرضين :
الأوّل : أن تكون إحداهما مستندة إلى أصل محرز - كالاستصحاب - والثانية إلى أصل غير محرز كأصالة الطهارة - مثلًا - فيتعيّن الأخذ بالأولى ؛ لأنّ مرجع الأصل المحرز إلى إثبات أمرٍ ومرجع الأصل غير المحرز إلى السكوت عمّا يكون مقتضى الأصل المحرز . وفي مثل هذه الحالة لا يعقل التعارض ؛ لأنّ عدم الشهادة لا يعارض أيّ شهادة أخرى « 2 » .
الثاني : أن يكون مستند كلتا البيّنتين هو الأصل المحرز - كالاستصحاب - والمعروف في هذه الحالة تعارضهما ثمّ تساقطهما « 3 » ، غير أنّ السيّد الصدر فصّل بين ما إذا احرز - بقرينة داخلية أو خارجية - أنّ زمن الحالة السابقة الملحوظ في كلّ من البيّنتين واحد ، فحينئذٍ يحصل التعارض والتساقط بينهما ، وبين ما إذا احرز تعدّد الزمان فلم يكن تعارض بينهما ، بل يؤخذ بأحدث الحالتين السابقتين ؛ لأنّ نسبة البيّنة الملاحظة لأحدث الحالتين إلى الأخرى نسبة البيّنة الوجدانية إلى التعبّدية « 4 » .
وإن لم يحرز الزمان الملحوظ للحالة السابقة في كلّ من البيّنتين واحتمل وحدته وتعدّده فتثبت حالتان سابقتان مختلفتان ، ويتحقّق بها الموضوع لاستصحابين متعارضين ، وهو يؤدّي إلى تساقطهما ، وأثر هذا القول هو وقوع التعارض بين الاستصحابين وتساقطهما ، كما في استصحاب النجاسة واستصحاب الطهارة
هامش
( 1 ) بحوث في شرح العروة 2 : 121 .
( 2 ) بحوث في شرح العروة 2 : 122 .
( 3 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 1 : 325 - 326 .
( 4 ) بحوث في شرح العروة 2 : 122 .