لم يلاحظوا انقلاب النسبة بين الأدلّة ؛ مستدلّين له بأنّ المخصّص المنفصل لا يصادم ظهور العام ، وإنّما يصادم حجّيته ، فالظهور باق على حاله ، والنسبة إنّما تلحظ بين الظهورات ، فإذا كان ظهور العام بعد التخصيص باق على عمومه فاللازم منه كون النسبة بينه وبين سائر الخصوصات هي العموم المطلق ، وعندئذٍ لا يبقى مجال لانقلاب النسبة حتى يقال :
هل يصحّ لحاظه أم لا ؟ « 1 » .
وفي المقابل ذهبت مدرسة المحقّق النائيني إلى لزوم لحاظ انقلاب النسبة بين المتعارضات .
وللاستدلال له لابدّ أوّلًا من التسليم بمقدّمتين ، وهما :
الأولى : أنّ لكلّ لفظ دلالات ثلاث ، وهي : الدلالة التصوّرية ، والدلالة التصديقية الأولى - وهي أنّ المتصوّر من اللفظ مراداً للمتكلّم - والدلالة التصديقية الثانية ، وهي أنّ ما أراده المتكلّم بالاستعمال مراداً له جدّاً .
والثانية : أنّ التعارض بين الدليلين إنّما يكون باعتبار أنّ كلّاً منهما حجّة ودليل في نفسه لولا المعارضة ؛ إذ لا معنى لوقوع المعارضة بين الحجّة واللاحجّة .
وبعد ضمّ إحدى المقدّمتين إلى الأخرى يستنتج صحّة القول بانقلاب النسبة ، فإنّه إذا ورد عام ثمّ ورد دليل مخصّص لذلك العام وقام دليل آخر معارض لذلك العام فلابدّ من ملاحظة النسبة بين العام ومعارضه بعد إخراج ما يشمله المخصّص ؛ لأنّ العام لا يكون حجّة بالنسبة إلى ما خرج منه بالمخصّص ، فإذاً التصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج إلى أكثر من تصوّره « 2 » .
وهناك تفصيل ذكره بعض الأصوليين - واعتبره التحقيق في المسألة - مردّه إلى كيفية دلالة العام على الاستغراق ، وأنّه بالوضع أو بمقدّمات الحكمة ؛ فالذي يلتزم باستفادة ذلك من مقدّمات الحكمة ، وأنّ المقدّمات إنّما تجري للكشف عن المراد
هامش
( 1 ) انظر : كفاية الأصول : 453 . نهاية الأفكار 2 / 4 : 166 . نهاية الدراية 6 : 350 . بحوث في علم الأصول 7 : 291 .
( 2 ) انظر : مصباح الأصول 3 : 388 .