وقد استدلّ له بأمور :
منها : قوله تعالى :
« وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ »
« 1 » ، بتقريب : أنّ الآية تدلّ على أنّ من صار مظلوماً لا سبيل عليه في الانتصار لنفسه ، ومن المعلوم أنّ الانتصار يتوقّف على إظهار ما فعل به من الظلم « 2 » ، سواء كان المراد من الانتصار طلب النصر - كما هو أحد معانيه ، يقال : انتصر على خصمه ، إذا استظهر - أو الانتقام من الظالم .
أمّا على الأوّل فلأنّ مقتضى إطلاقه جواز الاستنصار وطلب النصر من كلّ من يرجو منه ذلك ، والياً كان أو غيره ، ولازمه جواز ذكر مساءة الظالم وغيبته عند من يرجو منه النصر ، كان الظالم متجاهراً أم لا ، والسامع عالماً بمساءته أم لا .
وأمّا على الثاني فلأنّ جواز الانتقام من الظالم مستلزم لجواز الانتصار من الغير ، وإلّا فقلّما يتمكّن المظلوم بنفسه من الانتقام من ظالمه ، والانتصار ملازم لذكر مساءة الظالم ، ولا أقلّ من أنّ إطلاق الانتصار يقتضي جواز انتقامه بمعاونة الغير كعشيرته وقبيلته إذا لم يمكنه بنفسه ، وهو ملازم للغيبة « 3 » .
ومنها : قوله تعالى :
« لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
« 4 » ، ففي تفسير القمّي : « أي لا يحبّ أن يجهر الرجل بالظلم والسوء ويظلم إلّامن ظلم ، فقد اطلق له أن يعارضه بالظلم » « 5 » .
ويؤيّد الحكم فيما نحن فيه أنّ في منع المظلوم من هذا - الذي هو نوع من التشفّي - حرجاً عظيماً ؛ ولأنّ في تشريع الجواز مظنّة ردع الظالم ، وهي مصلحة خالية عن مفسدة ، فيثبت الجواز ؛ لأنّ الأحكام تابعة للمصالح « 6 » .
نعم ، اختلفوا في أنّه هل يقيّد جواز الغيبة والتشهير بكونها عند من يرجو إزالة الظلم عنه أم لا ؟ على قولين :
الأوّل : عدم التقييد ، ذهب إليه بعضهم « 7 » ، وقوّاه بعض آخر « 8 » .
الثاني : التقييد ، بأنّه لا يجوز التشهير إلّا عند من يرجو إزالة الظلم عنه « 9 » .
ج - التشهير من أجل النصيحة والتحذير :
ذهب الفقهاء إلى جواز التشهير إذا كان على سبيل نصيحة المسلمين وتحذيرهم ، وذلك كجرح الرواة والشهود والامناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ، والتشهير بالمصنّفين والمتصدّين للإفتاء مع عدم الأهلية ، أو مع نحو فسق أو بدعة يدعون إليها ، وأصحاب الحديث وحملة العلم
هامش
( 1 ) الشورى : 41 .
( 2 ) فقه الصادق 14 : 372 .
( 3 ) المكاسب المحرّمة ( الخميني ) 1 : 429 - 430 .
( 4 ) النساء : 148 .
( 5 ) تفسير القمّي 1 : 157 .
( 6 ) المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 348 .
( 7 ) المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 348 - 349 .
( 8 ) شرح القواعد 1 : 224 . مصباح الفقاهة 1 : 533 - 534 . فقه الصادق 14 : 375 .
( 9 ) كشف الريبة ( المصنفات الأربعة ) : 49 . كفاية الأحكام 1 : 436 . مفتاح الكرامة 12 : 218 . مستند الشيعة 14 : 168 .