وقد يجمع بين القولين بصدق التشريع على كلّ من الالتزام القلبي والعمل المأتي به بهذا القصد ، فيكون كلّ منهما مصداقاً للتشريع المحرّم ، ولا ينحصر في أحدهما ؛ لأنّ ظاهرة التشريع قد تتمثّل في العمل الجوانحي وقد تتمثّل في العمل الجوارحي .
قال الشهيد الصدر : « إنّ حرمة التشريع لا تقف على الإسناد القلبي ، بل تنبسط على الفعل الخارجي - كما هو الصحيح - لأنّ التشريع يكون وجهاً وعنواناً للعمل ، فيحرم إذا حرم هذا العنوان » « 1 » .
ولعلّه قد يستفاد الجمع المذكور من بعض كلمات المحقّق النجفي أيضاً ، حيث قال : « وأمّا دعوى عدم حرمتها حتى لو جيء بها على جهة المشروعية زعماً منه أنّ المحرّم الاعتقاد دون الفعل ، فهو ممّا لا ينبغي أن يلتفت إليه ، بل يمكن دعوى الإجماع على خلافه ، كما أنّ الظاهر أنّ التشريع ليس مخصوصاً بالجاهل الذي يتصوّر منه الاعتقاد ، بل يجري فيه وفي العالم ؛ لأنّ المحرّم هذه الصورة والنية الجعلية سيّما في الرئيس ذي الأتباع كأبي حنيفة ومالك » « 2 » .
2 - بواعث التشريع :
بواعث التشريع هي بواعث البدعة من حبّ الجاه والجهل بالأحكام ومقاصدها . وتختلف بواعث التشريع بحسب الظروف والمقامات وأكثرها راجع إلى جهل المبتدع بالشريعة ومقاصدها وما يدلّ عليها ويكشف عنها من النصوص الشرعية وغيرها ، فيرى نفسه عالماً بها وهو غير عالم ، ويزعم الشيء دليلًا على الحكم الشرعي وليس بدليل ، فيتّكل بالقياس الظنّي والاستحسان العقلي ، فيقع في غير الواقع فيزعمه حكماً شرعياً . أو أنّه راجع إلى الهوى وحبّ الدنيا ومقاماتها ، وقد يمتزجان .
فمن موارد الجهل ما ورد في مرفوعة ابن محبوب عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « من أبغض الخلق إلى اللَّه عزّوجلّ لرجلين : رجل وكله اللَّه إلى نفسه . . . ورجل قَمَشَ « 3 » جهلًا في جهّال
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 3 : 123 .
( 2 ) جواهر الكلام 2 : 278 .
( 3 ) قمش جهلًا : أي جمعه من هاهنا وهاهنا ، من القمشوهو جمع الشيء المتفرّق من هاهنا وهاهنا وذلك الشيء قماش . انظر : الصحاح 3 : 1016 .