بما لم يعلم على كونه حكماً ظاهرياً لا واقعياً - كما هو مبنى القول الأوّل - وإذا ثبت مثل هذا الحكم الظاهري وجب رفع اليد عن عموم أصالة الحلّ ؛ لتخصيص دليلها بدليله » « 1 » .
وإليه ذهب السيّد الخوئي بقوله : « إنّ التشريع عبارة عن إسناد شيء لا يعلم به إلى الشارع » « 2 » .
وإن كان ظاهر قوله في موضع آخر خلافه حيث قال : « إلّاأن يكون ذلك على سبيل التشريع الذي مورده العلم بالخلاف » « 3 » ، إلّاأنّ ظاهره هنا أنّه لم يكن في مقام تحديد حقيقة التشريع وبيان واقعه ، فالصحيح أنّ التشريع هو إسناد ما لا يعلم أنّه من الدين إلى الدين ؛ لأنّ الإسناد كذلك معناه أنّه مشرّع وتعبّد وألزَم نفسه بما لا يعلم أنّه من الدين فيكون الإلزام من قبل نفسه لا محالة ، لا بلحاظ الكشف عن أنّ الشارع قد ألزم به ، ومن هنا يكون التشريع في موارد عدم العلم صادقاً مطلقاً ، كما أنّه في موارد العلم لا يصدق مطلقاً ، أي حتى إذا كان علمه خطأً وجهلًا مركّباً ؛ لأنّه يراه من قبل الشارع وأنّ الشارع ألزمه به لا أنّه هو الذي يفترضه ويجعله على نفسه ، وهذا واضح بعد التأمّل في المسألة ، ولهذا لا يشكّ أحد في عدم حرمة ذلك لا بعنوان البدعة ولا الافتراء ولا التشريع ، وهذا بنفسه دليل على أخذ العلم وعدم العلم في مثل هذه المفاهيم عرفاً وشرعاً .
الرأي الثاني : ما ذهب إليه بعض العلماء من لزوم التفكيك بين أمرين وحصر التشريع في إدخال ما ليس من الدين واقعاً فيه ، وأمّا إسناد ما لم يعلم كونه من الدين إليه فهو داخل في القول والإفتاء بغير علم .
قال الإمام الخميني : « الثاني : ربّما وقع الخلط بين عنواني التشريع والقول بغير علم ، فاستدلّ بما يدلّ على حرمة القول بغير علم على حرمة التشريع مع أنّ بينهما فرقاً ؛ فإنّ التشريع عبارة عن إدخال ما ليس في الشريعة فيها ، وإن شئت قلت : تغيير القوانين الإلهية والأحكام الإلهية بإدخال ما ليس في الدين فيه وإخراج ما هو منه عنه ، وهذا ما يسمّى ( بدعة ) فلا كلام في حرمته ومبغوضيته .
وأمّا تفسير التشريع بالتعبّد بما لا يعلم جواز التعبّد به من قبل الشارع ، فإن أريد منه التعبّد الحقيقي جدّاً فلا شكّ أنّه أمر غير ممكن خارج عن اختيار المكلّف ؛ إذ كيف يمكن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عبادي ؟ فإنّ الالتزامات النفسانية ليست واقعة تحت اختيار النفس حتى توجدها في أيّ وقت شاء » « 4 » .
ثمّ قال : « وإن أريد منه إسناد ما لم يعلم كونه من الشريعة إليها فهو أمر ممكن لكنّه غير التشريع ، بل عنوان آخر محرّم أيضاً . ويدلّ على حرمته ما ورد من حرمة القول بغير علم « 5 » ، وما ورد من أدلّة حرمة الإفتاء والقضاء بغير علم « 6 » ، على إشكال
هامش
( 1 ) مستمسك العروة 5 : 341 - 342 .
( 2 ) مستند العروة ( الصلاة ) 2 / 5 : 72 .
( 3 ) مستند العروة ( الصلاة ) 7 : 213 .
( 4 ) تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 402 . وانظر : عوائد الأيّام : 325 .
( 5 ) الوسائل 27 : 22 ، 23 ، 24 ، 25 ، 29 ، ب 4 من صفاتالقاضي ، ح 5 ، 9 ، 10 ، 14 ، 30 .
( 6 ) الوسائل 27 : 20 ، 21 ، 29 ، ب 4 من صفات القاضي ، ح 1 - 3 ، 29 ، 31 ، 32 .