1 - حقيقة التشريع :
اختلف الفقهاء في حقيقة التشريع وأنّه هل التشريع خصوص نسبة ما ليس من الدين حقيقةً وواقعاً ، أو أنّه يعمّ إسناد ما لم يعلم كونه من الدين إليه أيضاً وإن كان في الواقع من الدين ؟
هناك رأيان في المسألة ، هما :
الأوّل : ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء من أنّ تمام المناط في نظر العقل هو إسناد ما لا يعلم من الدين إلى الدين ، سواء كان واقعاً من الدين أم لا ، فلو فرض أنّ المسند في الواقع ممّا شرّعه اللَّه سبحانه ولكن المكلّف لم يعلم بذلك وأسنده إلى الشارع فهو من التشريع القبيح عقلًا ؛ لتحقّق الموضوع الذي استقلّ العقل بقبحه ، وهو ( إسناد ما لا يعلم ) ، وهذا بخلاف إسناد ما علم تشريعه ولم يشرّع واقعاً فلا يكون تشريعاً « 1 » .
كلّ ذلك ظاهر عبائر جماعة من الفقهاء ، قال الشيخ الأنصاري : « التشريع : هو أن ينسب إلى الشرع شيئاً علم أنّه ليس منه أو لم يعلم كونه منه ، لا أن يفعل شيئاً لاحتمال أن يكون فعله مطلوباً في الشرع » « 2 » .
وقال في موضع آخر : « إنّ العمل بالظن والتعبّد به من دون توقيف من الشارع تشريعٌ محرّم بالأدلّة الأربعة » « 3 » .
وقال المحقّق النائيني : « وبالجملة ، ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلّف أو لا يصيبه ، بل واقع التشريع هو إسناد الشيء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه إيّاه ، سواء علم المكلّف بالعدم أو ظنّ أو شكّ ، وسواء كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع أو لم يكن » « 4 » ، فبمجرّد عدم إحراز المشروعية يتحقّق تمام ما هو موضوع حكم العقل بقبح الإسناد والتشريع ، فلا يبقى مجال للشكّ حتى يتشبّث بدليل أصالة الحلّ للحلّية التشريعية « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : كشف الغطاء 1 : 269 . فوائد الأصول 3 : 123 - 124 . مستمسك العروة 5 : 341 - 342 .
( 2 ) رسائل فقهية ( تراث الشيخ الأعظم ) : 139 .
( 3 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 346 .
( 4 ) فوائد الأصول 3 : 124 .
( 5 ) انظر : الصلاة ( النائيني ، تقريرات الكاظمي ) 1 : 316 .