وتقريب الاستدلال هو أن يقال : إذا كان النظر حراماً لأنّه سهم يؤثّر في إيمان الناظر ويوجب وقوع صاحبه في الفتنة ، ويزرع في قلبه الشهوة ، فالتشبيب أولى بالحرمة ؛ لأنّ تأثير الكلام في تحقّق هذه الأمور أشدّ من تأثير النظر « 1 » .
ونوقش فيه :
أوّلًا : أنّ تهييج القوّة الشهوية حكمة الحكم لا أنّها علّة يدور الحكم مدارها ، وإلّا لزم البناء على عدم حرمة النظر مع عدم استلزامه تهييج الشهوة ، وهذا ما لم يذهب إليه فقيه ، وحينئذٍ لا يمكن التعدّي إلى التشبيب .
وثانياً : ليس من الواضح أنّ التشبيب أشدّ تأثيراً من النظر الذي هو أقوى مهيّج للشهوة « 2 » .
وثالثاً : أنّ النسبة بين التشبيب وتهييج الشهوة هي العموم من وجه ، فقد يكون التشبيب مهيّجاً للشهوة ولا يكون حراماً - كالتشبيب بالزوجة - وقد يكون غير مهيّج للشهوة - كما إذا شبّب بإحدى محارمه - وقد يجتمعان ، فلا ملازمة بينهما « 3 » .
الطائفة الثانية : وهي الروايات الدالّة على المنع عن الخلوة بالأجنبية ، وهي كثيرة :
منها : رواية مسمع أبي سيّار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « فيما أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم البيعة على النساء : أن لا يحتبين « 4 » ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء » « 5 » ، ومثلها رواية مكارم الأخلاق « 6 » .
ومنها : رواية موسى بن إبراهيم عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « من كان يؤمن باللَّه واليوم
هامش
( 1 ) انظر : مصباح الفقاهة 1 : 214 - 215 .
( 2 ) فقه الصادق 14 : 211 .
( 3 ) مصباح الفقاهة 1 : 215 . وانظر : حاشية المكاسب ( الميرزا الشيرازي ) 1 : 63 .
( 4 ) الاحتباء : هو أن يضمّ الإنسان رجليه إلى بطنه بثوبيجمعهما به مع ظهره ويشدّه عليها ، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب . وإنّما نهي عنه لأنّه إذا لم يكن عليهنّ إلّاثوب واحد ربّما تحرّك أو زال الثوب فتبدو العورة . انظر : النهاية ( ابن الأثير ) 1 : 335 .
( 5 ) الوسائل 20 : 185 ، ب 99 من مقدّمات النكاح ، ح 1 .
( 6 ) الوسائل 20 : 185 - 186 ، ب 99 من مقدّمات النكاح ، ح 3 .