التسليم ، ولا فائدة في هذا السؤال إن لم يكن فرق في الحكم بين ما لو سلّم وبين ما إذا لم يسلّم ، وكان كلّ منهما محكوماً بعدم البأس ، فلابدّ أن يكون المراد تصديق الإتيان بالسلام الأوّل ، وهو قول : ( السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين ) ، وأمّا السلام الأخير فالمفروض أنّه قد نسيه ، فلا يمكن أن يكون التصديق راجعاً إليه ، وإذا كانت الموثّقة دالّة على نفي البأس في فرض الإتيان بالسلام ولو بغير الصيغة الأخيرة ، فلا يمكن أن يستدلّ بها على عدم اعتبار السلام مع أنّه على عكس المطلوب أدلّ « 1 » .
وثالثاً : بأنّه لا يبعد أن يكون قوله : « ولو نسيت » من تصرّف نسّاخ التهذيب وأن يكون في الأصل « ولو شئت » كما استظهره المحقّق الهمداني « 2 » تبعاً لغيره ؛ مستشهداً بأنّ المذكور في قرب الإسناد « 3 » - على ما قيل - بلفظ « ولو شئت » بدل « ولو نسيت » « 4 » .
ومنها : صحيح زرارة عن أحدهما عليهما السلام - في حديث - قال : قلت له : من لم يدرِ في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين ؟ قال : « يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ، ويتشهّد ولا شيء عليه . . . » « 5 » ، فإنّها تدلّ على عدم وجوب التسليم ؛ لعدم ذكر له فيها بعد التشهّد .
وأجيب عن الاستدلال بها بأنّ هذه الرواية بعين هذا السند رواها الكليني بلفظ « ثمّ يسلّم ولا شيء عليه » بدل « يتشهّد ولا شيء عليه » « 6 » .
ولا يبعد أنّهما رواية واحدة ، وعلى تقدير التعدّد تتقيّد إحداهما بالأخرى .
ومنها : صحيح معاوية بن عمّار ، قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « إذا فرغت من طوافك فأتِ مقام إبراهيم عليه السلام فصلّ ركعتين واجعله إماماً ، واقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
، وفي الثانية
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » ،
ثمّ تشهّد واحمد اللَّه واثن عليه ، وصلّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسأله أن يتقبّل منك . . . » « 7 » .
فإنّ الاقتصار على التشهّد وعدم ذكر التسليم بعده يكشف عن عدم وجوبه .
وأجيب أوّلًا : بأنّه عليه السلام لم يكن في مقام بيان أجزاء الصلاة ؛ ولذا لم يذكر الركوع والسجود مع أنّهما أولى بالذكر ، وإنّما النظر فيها معطوف إلى بيان خصوصية هذه الصلاة ، وهي إيقاعها في مقام إبراهيم عليه السلام واشتمالها على سورة الجحد والتوحيد ، فعدم التعرّض للتسليم غير المختص بهذه الصلاة لا يدلّ على عدم الوجوب .
وثانياً : بأنّ الظاهر أنّ قوله عليه السلام : « ثمّ تشهّد . . . » ناظر إلى ما بعد السلام ، وأنّه بعد الفراغ من الصلاة يأتي بهذه الأعمال من التشهّد والحمد والثناء وغيرها من المذكورات ؛ وذلك لإتيانه بكلمة ( ثمّ ) الظاهرة في التفريع على صلاة ركعتين ،
هامش
( 1 ) مستند العروة ( الصلاة ) 4 : 332 .
( 2 ) مصباح الفقيه 1 / 13 : 244 .
( 3 ) قرب الإسناد : 309 ، ح 1206 .
( 4 ) مستند العروة ( الصلاة ) 4 : 333 .
( 5 ) الوسائل 8 : 220 ، ب 11 من الخلل الواقع في الصلاة ، ح 3 .
( 6 ) الكافي 3 : 350 ، ح 3 . الوسائل 8 : 220 ، ب 11 من الخلل الواقع في الصلاة ، ح 4 .
( 7 ) الوسائل 13 : 423 ، ب 71 من الطواف ، ح 3 .