على قوّاتها ومؤسّساتها المدنية والعسكرية بل يتعدّاه للتجسّس على بعض أفراد الشعب ، فإنّه لمّا كان المجتمع الإسلامي لا يخلو من عناصر شرّيرة لا تريد الخير للمسلمين ، فمن الطبيعي أن توضع العيون لمراقبتهم ليعرف الصالح من الطالح ، وذلك في حدود المصالح العامّة ، لا مصالح الحكّام ونزواتهم التي تؤدّي إلى سلب الاستقرار ، وحرمان المجتمع من الحياة الحرّة الكريمة « 1 » ، وهتك حرمة الحياة الخاصّة للناس والتنكيل بهم بحجّة المصالح العامّة .
وقد روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاوية : « إنّك إن اتّبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم » « 2 » .
وقال أيضا : « إنّ الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم » « 3 » .
فلابدّ أن يكون الهدف من الرقابة دفع الخطر عن المجتمع ، والتعرّف على حوائجه ، ورفع نواقصه ، وقد كان يجري تطبيق ذاك في صدر الإسلام عن طريق الاستعانة بالعرفاء والنقباء « 4 » ، فقد روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حين بايعه أهل المدينة في العقبة الثانية ، قال لهم : « أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم » ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس « 5 » ، ثمّ قال للنقباء : « أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي » - يعني المسلمين - قالوا : نعم « 6 » .
هامش
( 1 ) نظام الحكم في الإسلام : 359 . وقد كان ذلك واضحاً جلياً لدى المسلمين ، فقد روي أنّ عمر بن الخطاب كان يعسّ بالمدينة من الليل ، فسمع صوت رجل في بيت يتغنّى فتسوّر عليه ، فقال : يا عدوً اللّه ، أظننت أنّ اللّه يسترك وأنت في معصيته ؟ فقال : وأنت يا أمير المؤمنين ! لا تعجل عليّ ، إن أكن عصيتُ اللّه واحدةً فقد عصيتَ اللّه في ثلاث ، قال :( لا تَجَسَّسُوا )[ الحجرات : 12 ] ، وقد تجسّست ، وقال :( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها )[ البقرة : 189 ] ، وقد تسوّرت عليّ ، وقد دخلت عليّ بغير إذنٍ ، وقال اللّه تعالى :( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها )[ النور : 27 ] ، قال عمر : فهل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم ، فعفا عنه وخرج وتركه . كنز العمال 3 : 808 ، ح 8827 .
( 2 ) سنن أبي داود 4 : 272 ، ح 4888 .
( 3 ) سنن أبي داود 4 : 272 ، ح 4889 .
( 4 ) نظام الحكم في الإسلام : 359 ، 365 .
( 5 ) السيرة النبوية ( ابن هشام ) 2 : 64 .
( 6 ) السيرة النبوية ( ابن هشام ) 2 : 64 - 66 .