لم يأتِ بالواجب بحدّه وإن أتى بذات الركعتين في ضمن ثلاث ، ومرجع هذا أيضا إلى المتباينين ، وإن كانت صورته صورة الأقل والأكثر فلا مانع من التخيير فيها .
الصورة الثالثة : ما يكون الإتيان بالأقل فيه واقعاً في طريق تحقيق الأكثر كالتخيير في ذكر الركوع والسجود بين الواحد والأكثر ، وفي مثل ذلك يستحيل التخيير ؛ لأنّه بعدما أتى المكلّف بالأقل فقد أتى الواجب ؛ إذ المفروض أنّه لم يكن محدوداً ، بل كان حدّه اللا بشرطية ، فيسقط الوجوب لا محالة ، فكيف يمكن أن تقع بقية الوجودات أيضا مصاديق للواجب ؟ ! فلابدّ من الالتزام في نظائر ذلك باستحباب الزائد لا محالة « 1 » . وهناك من يرى إمكان هذا النحو من التخيير أيضا .
وتفصيل الكلام في علم الأصول .
سادساً - قاعدة التخيير في باب تعارض الخبرين :
يقصد الاصوليّون بالتخيير في باب التعارض معنى خاصاً وهو أنّه عندما تتعارض الأمارتان - كخبرين من أخبار الآحاد - ولا يمكن الجمع العرفي بينهما ولا تتوفّر في أحدهما بعينه واحدة من المرجّحات التي توجب الأخذ به وطرح الآخر ، ففي هذه الحال يذهب كثير من الأصوليين إلى قاعدة أوّلية يسمّونها بقاعدة التساقط ، وهي تفرض سقوط كلا الدليلين المتعارضين عن الحجّية ، وكأنّهما لم يكونا من الأوّل ، ويرجع إمّا إلى العمومات الفوقية لو كانت أو إلى مقتضى الأصول العملية .
لكن ذهب بعض الأصوليين إلى قاعدة أخرى في المقام وقالوا : إنّه بموجبها لا تصل النوبة إلى إجراء قاعدة التساقط الأوّلية ، وهذه القاعدة هي التخيير ، وهي تعني أنّ الشارع قد فوّض أمر اختيار إحدى الأمارتين المتعارضتين إلى المكلّف نفسه « 2 » ؛ مستدلّين لذلك ببعض الروايات الخاصّة ممّا يجعل هذا التخيير شرعياً أيضا ، لكنّ الفرق بينه وبين ما تقدّم في الواجب المخيّر - كخصال الكفّارة - هو أنّ التخيير الشرعي هنا مجرّد وظيفة شرعية
هامش
( 1 ) دراسات في علم الأصول 2 : 75 - 77 .
( 2 ) الأصول العامة للفقه المقارن : 505 .