بعلّية العلم بحرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية ، فيتعيّن رفع اليد عن لزوم الموافقة القطعية والاكتفاء بالموافقة الاحتمالية ؛ حذراً من الوقوع في المخالفة القطعية « 1 » .
هذا على التخيير العقلي ، وأمّا التخيير الشرعي فأيضاً اختلفوا فيه ، فقد نقل عن جماعة - منهم العلّامة الحلّي « 2 » ، بل نسب إلى المحقّقين « 3 » - أنّه لا مانع من كون التخيير استمرارياً ؛ وذلك على أساس أنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلافه ولا يستبعد وقوعه ، كما لو تغيّر اجتهاده « 4 » .
إذاً مقتضي الاستمرار تام إلّا أن يمنع مانع ، وقيل : إنّ المانع بالفعل موجود ، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لأبي بكر : « لا تقضي في الشيء الواحد بحكمين مختلفين » « 5 » .
ولعلّه لأجل ذلك قال الشيخ الأنصاري : إنّ التخيير الاستمراري في المقام ممّا لا دليل عليه ؛ لأنّ دليل التخيير إن كان الأخبار الدالّة عليه فإنّها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر في ابتداء الأمر ، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحيّر بعد الأخذ والالتزام بأحد الخبرين .
وإن كان الدليل عليه هو العقل فإنّه حاكم بعد طرحهما معاً ، وأمّا بالنسبة إلى جهة الاستمرار أو البدوية فهو ساكت عنهما .
هذا ، مضافاً إلى أنّ الأصل عدم حجّيته للآخر بعد الالتزام بأحدهما كما في تقرير عدم جواز العدول « 6 » .
ولكنّ المحقّق النائيني فرّع استمرارية المسألة وبدويّتها على كون التخيير هاهنا في مسألة أصولية أو مسألة فقهية ، فإن كان التخيير في مسألة فقهية فالتخيير استمراري - كما في التخيير في المواطن الأربعة - وإذا كان التخيير في مسألة
هامش
( 1 ) منتقى الأصول 5 : 33 . وانظر : مصباح الأصول 2 : 352 - 353 .
( 2 ) نهاية الوصول 5 : 281 - 282 .
( 3 ) انظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 4 : 43 .
( 4 ) نهاية الوصول 5 : 281 .
( 5 ) المحصول 5 : 390 . وانظر : كنز العمّال 6 : 103 ، ح 15041 .
( 6 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 4 : 43 .