2 - التخيير البدوي والاستمراري :
اختلف الفقهاء والأصوليون في كلّ مورد ثبت التخيير فيه في أنّه هل التخيير بدويّ أو مستمرّ ؟
والمراد من التخيير البدوي أنّ حقّ الاختيار في ابتداء الأمر وأمّا بعده فليس له التبديل ، بل يستمرّ على ما اختاره .
والمراد من التخيير الاستمراري عكسه ، أي أنّ حقّ الاختيار مستمرّ إلى ما بعد الأخذ أيضا « 1 » .
وهذا الخلاف قائم بينهم من دون فرق بين التخيير الشرعي والعقلي « 2 » ، لكنّ الذي يبدو من الشيخ الأنصاري أنّ الخلاف متصوّر في المقام لا أنّه خلاف بالفعل ؛ ولذا ذكر فيه وجوهاً ، هي :
الأوّل : التخيير البدوي ، ويستدلّ له بقاعدة الاحتياط ، واستصحاب حكم المختار ، وحرمة المخالفة القطعية .
الوجه الثاني : وهو التخيير الاستمراري ، وهذا ما قوّاه الشيخ الأنصاري نفسه « 3 » ، واختاره كلّ من المحقّق النائيني والعراقي « 4 » .
وهو لا يحتاج إلى الاستدلال بل هو ثابت طبعاً ما دامت الأدلّة لا تنهض على التخيير البدوي ، وبالفعل هي كذلك غير ناهضة لإثبات التخيير البدوي ؛ إذ قاعدة الاحتياط واستصحاب حكم المختار لا يجريان في مورد حكم العقل ؛ إذ العقل لا يقبل الاحتمال في حكمه لكي يجري فيه الاحتياط أو الاستصحاب .
وأمّا حرمة المخالفة القطعية فلم تثبت في المقام ؛ إذ المقام شبيه بتبدّل رأي المجتهد أو تبديل المقلّد لمجتهده « 5 » ، فكما لا تضرّ المخالفة القطعية هناك لا تضرّ هنا أيضا .
وهذا يعني أنّ المخالفة القطعية لم يتعلّق بها النهي المولوي - كسائر المحرّمات الشرعية - بل إنّ قبحها كحسن الإطاعة من المستقلّات العقلية التي لا تستتبع الخطاب المولوي . وحكم العقل بقبح المخالفة فرع
هامش
( 1 ) انظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 189 .
( 2 ) انظر : اصطلاحات الأصول : 103 .
( 3 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 189 .
( 4 ) فوائد الأصول 3 : 453 . نهاية الأفكار 3 : 295 - 296 .
( 5 ) انظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 189 .