وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته » « 1 » .
وقد وجّهت هذه الإصابة بأنّ الأمارة عندما تقوم تخلق في متعلّقه مصلحة مزاحمة لمصلحة الواقع أو مفسدة كذلك وتغلب عليها على نحو يرتفع حكم المصالحة الواقعية للمزاحمة ، ويبقى الحكم الناتج عن الأمارة ويكون مفاد الحجّية المجعولة للأمارة هو اعتبارها سبباً لتبديل الواقع المستلزم لتبديل الحكم تبعاً له « 2 » .
ونوقش فيه ، أوّلًا : بأنّ الأمارة يستحيل أن تكون سبباً لخلق مصلحة في متعلّقها ؛ لأنّ الظنون - وهي الحالات النفسية - لا تسري إلى الواقع الخارجي فتغيّره ؛ لاختلاف مجاليها ، وليس الظن أكثر من العلم ، والعلم بالأشياء إذا لم يصب الواقع لا يبدّل حقيقة ما قام عليه ، فعلمي بعدم وجود زيد لا يجعله غير موجود إذا كان موجوداً .
وثانياً : بأنّ أدلّة الطرق والأمارات لا تفيد أكثر من اعتبارها بمنزلة العلم من حيث ترتيب الآثار عليها ، والعلم لا يزيد في نظر العقلاء عن كونه كاشفاً عن متعلّقه ، وفوائد جعلها لا تتجاوز المنجّزية والمعذّرية « 3 » .
الصورة الثالثة : التصويب بمعنى المصلحة السلوكية ، وهي ما ابتكره الشيخ الأنصاري واختاره « 4 » ، ومعناها : أنّ الحكم الواقعي واحد لا يتغيّر عمّا هو عليه ، سواء قامت الأمارة أو لم تقم ، وسواء طابقته الأمارة أو لم تطابقه ، ولكن جعل الشارع مصلحة في نفس سلوك الأمارة والعمل طبقها ليتدارك بها مصلحة الواقع لو فاتت بسبب مخالفة مؤدّاها له ، فالحكم الواقعي موجود بخلاف ما يراه الأشعري ، ولا يطرأ عليه تغيير بسبب قيام الأمارة - كما يرى المعتزلي - وإنّما الشيء الذي حصل في البين هو أنّ الشارع - تسهيلًا للعباد - جعل مصلحة في سلوك الأمارة بها يتدارك مصلحة الواقع الفائتة على المكلّف بمخالفة مؤدّى الأمارة للواقع .
هامش
( 1 ) المستصفى 2 : 365 .
( 2 ) انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 622 .
( 3 ) الأصول العامة للفقه المقارن : 622 .
( 4 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 114 - 115 . وانظر : فوائد الأصول 3 : 95 - 97 .