التخطئة والتعبّد بالأمارات الظنّية :
ثمّ إنّه بناءً على القول بالتخطئة قد يتوجّه إشكال - كما وجّهه ابن قبة - وهو أنّ لازم التخطئة اجتماع الضدّين أو النقيضين أو المثلين ، وكلّ ذلك مستحيل ، فالتخطئة أيضا مستحيلة ؛ وذلك لأنّ نظرية التخطئة تلتزم بأنّ الوظيفة الفعلية للجاهل هي العمل وفق مؤدّى الأمارة ومن جانب آخر تلتزم بوجود الحكم الواقعي في حقّ الجاهل أيضا ، وحينئذٍ مؤدّى الأمارة إمّا موافق للواقع فيؤدّي إلى اجتماع المثلين أو ضدّه فيؤدّي إلى اجتماع الضدّين أو نقيضه فيؤدّي إلى اجتماع النقيضين ، وكلّها مستحيلة .
وأيضا يلزم من ذلك تفويت المصلحة والملاكات الواقعية لتلك الأحكام ، وهذا أيضا قبيح عقلًا .
وقد أجيب على ذلك في علم الأصول بأنّ الحكم الظاهري سنخ حكم طريقي يمكن أن يجتمع مع الحكم الواقعي . كما أنّه لا قبح في تفويت الملاك الواقعي إذا كان لمصلحة التسهيل على العباد .
وتفصيل ذلك كلّه في محلّه من علم الأصول « 1 » .
واستدلّ بعض علماء الجمهور على التخطئة بعدّة أدلّة نتعرّض فيما يلي إلى جملة منها :
1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » « 2 » ، فدلّ على أنّه يصيب مرّة ويخطئ أخرى « 3 » .
فإن قيل : المراد به إصابة النصّ والإجماع والخطأ بهما ، قيل : اللفظ عام ، فوجب أن يحمل على عمومه ، ولأنّ استحقاق الأجرين لا يختصّ بالنص والإجماع ؛ فإنّ ما فيه نص وإجماع وما لا نصّ فيه ولا إجماع سواء ، فدلّ على أنّه عام في الجميع « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر : كفاية الأصول : 277 . فوائد الأصول 3 : 105 - 106 . نهاية الدراية 3 : 121 - 123 . بحوث في علم الأصول 4 : 31 .
( 2 ) مسند أحمد بن حنبل 5 : 222 ، ح 17320 ، مع اختلاف يسير .
( 3 ) التبصرة في أصول الفقه : 499 .
( 4 ) التبصرة في أصول الفقه : 499 - 500 .