لإحداث المصلحة على السلوك ، فسلوك الأمارة لها مصلحة يتدارك بها ما فات من الواقع .
وسوف يأتي مزيد توضيح لها عند ذكر الأقوال « 1 » .
سادساً - محلّ الكلام في التصويب :
يبدو من مجموع كلمات العلماء أنّ محلّ الخلاف في التصويب وعدمه هو الأحكام الشرعية والأمور الاعتبارية دون الأمور الواقعية والعقلية ، فلا خلاف لديهم في التخطئة في الواقعيات والعقليات ، وهذا ما حاول العلماء التنبيه عليه :
قال الشيخ الطوسي : « اعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغيّره عمّا هو عليه من وجوب إلى حظر ومن حسن إلى قبح ، فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لا يختلف ، وأنّ الحقّ في واحد ، وأنّ من خالفه ضالٌّ فاسق ، وربّما كان كافراً . . . وإنّما قالوا ذلك لأنّ هذه الأشياء لا يصحّ تغييرها في نفسها ولا خروجها عن صفتها التي هي عليها ، ألا ترى أنّ العالَم إذا ثبت أنّه محدَث فاعتقاد من اعتقد أنّه قديم لا يكون إلّا جهلًا ، والجهل لا يكون إلّا قبيحاً . . . وكذلك إذا ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق ، فاعتقاد من اعتقد كذبه لا يكون إلّا جهلًا . . .
وحكي عن قوم شُذّاذ لا يعتدّ بأقوالهم أنّهم قالوا : إنّ كلّ مجتهد فيها مصيب . وقولهم باطل بما قلناه .
وأمّا ما يصحّ تغييره في نفسه وخروجه من الحُسن إلى القبح ومن الحظر إلى الإباحة ، فلا خلاف بين أهل العلم أنّه كان يجوز أن تختلف المصلحة في ذلك فيما تكون حَسَناً من زيد يكون قبيحاً من عمرو ، وما يقبح من زيد في حالٍ بعينها يحسن منه في حالة أخرى ، ويختلف ذلك بحسب اختلاف أحوالهم وبحسب اجتهادهم .
وإنّما قالوا ذلك لأنّ هذه الأشياء تابعة للمصالح والألطاف ، وما حكمه هذا فلا يمتنع أن يتغيّر الحال فيه . . . إلّا أنّ مع تجويز ذلك في العقل هل ثبت ذلك في الشرع أم لا ؟
هامش
( 1 ) انظر : الأصول العامّة للفقه المقارن : 623 .