ومن هنا نشأ السؤال التالي : ما هو مدى حظّ المجتهدين المختلفين من إصابة الواقع ؟
وقد شاع في صفوف مدرسة الرأي القول بأنّهم جميعاً مصيبون « 1 » .
خامساً - أقسام التصويب :
أقسام التصويب المتصوّرة ثلاثة ، وهي :
الأوّل : التصويب بمعنى أنّ الواقع خالٍ عن الحكم وإنّما يثبت الحكم بعد قيام الأمارة ، فيكون مفاد الأمارة هو الذي يُلزم المكلّف ، فلا يكون قبل الاجتهاد وحصول الظنّ حكم أصلًا ، بل يحدث الحكم حال حصول الظنّ به « 2 » . وهذا ما سمّي بالتصويب الأشعري « 3 » .
قال الغزالي : « إنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ ، بل الحكم يتبع الظنّ ، وحكم اللّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه ، وهو المختار ، وإليه ذهب القاضي » « 4 » .
وهذا هو الذي اشتهر لدى علمائنا بأنّه مستحيل ؛ لاستلزامه الدور أو الخلف « 5 » . وسوف يأتي توضيحه .
القسم الثاني : التصويب بمعنى وجود أحكام واقعية لكنّها مقيّدة بعدم قيام الأمارة على خلافها ، فلو قامت الأمارة على خلافها فيكون مفاد الأمارة هو الحكم الموجّه إلى المكلّف ، وهذا ما سمّي بالتصويب المعتزلي « 6 » ، وإليه أشار الغزالي فقال : « ذهب قوم من المصوّبة إلى أنّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطلب ؛ إذ لابدّ للطلب من مطلوب ، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته ؛ فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته ؛ بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه » « 7 » .
القسم الثالث : التصويب بمعنى المصلحة السلوكية ، وهي نوع تفسير للأمارات تكون حدّاً وسطاً بين التخطئة والتصويب ، فهي - مع كونها طريقاً للواقع - سبب
هامش
( 1 ) المعالم الجديدة : 39 .
( 2 ) نهاية الدراية 6 : 376 .
( 3 ) فوائد الأصول 3 : 95 .
( 4 ) المستصفى 2 : 363 .
( 5 ) نهاية الدراية 6 : 376 . وانظر : منتهى الدراية 8 : 448 .
( 6 ) فوائد الأصول 3 : 95 .
( 7 ) المستصفى 2 : 363 .