لمّا حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأجابهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك ، فحكم عليهم بقتل رجالهم وسبي ذراريهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لقد حكمت بما حكم اللّه تعالى به فوق سبعة أرقعة « 1 » » « 2 » ، وقريب منه ما روي من طرقنا « 3 » .
ومن الخاصّة ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث أميرا له على سرية أمره بتقوى اللّه . . . ثمّ يقول له : « . . . وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن ينزلوا على حكم اللّه فلا تنزل بهم ، ولكن أنزلهم على حكمكم ، ثمّ اقض فيهم بعدُ بما شئتم ؛ فإنّكم إن أنزلتموهم على حكم اللّه لم تدروا تصيبوا حكم اللّه فيهم أم لا . . . » « 4 » ، ونحوه في رواية الجمهور « 5 » ، بل لعلّ الحكم من المسلّمات الفقهية .
ورغم أنّ مورد التحكيم في الروايتين وفتاوى عدّة من الفقهاء محاصرة العدو ، إلّا أنّ ظاهر إطلاق بعضهم عدم اشتراط المحاصرة في التحكيم ، بل يكفي مجرّد التراضي بين الطرفين « 6 » ، ولعلّ الوجه فيه إلغاء الخصوصيّة .
وربّما يستدلّ لمشروعية التحكيم بفعل الإمام علي عليهالسلام في حرب صفّين ، وإن أمكن المناقشة فيه بأنّه عليهالسلام كان مجبوراً على التحكيم فيها ، فلا يدلّ ذلك على مشروعيته بعنوانه الأوّلي ، وإنّما يدلّ على مشروعيته بعنوانه الثانوي كالاضطرار والإكراه .
قال السيّد المرتضى : « إنّ أمير المؤمنين عليهالسلام ما حكّم مختاراً ، بل أحوج إلى التحكيم والجئ إليه ؛ لأنّ أصحابه عليهالسلام كانوا من التخاذل والتقاعد والتواكل إلّا
هامش
( 1 ) قال ابن الأثير في نهايته ( 2 : 251 ) بعد ذكر الحديث : « يعني سبع سماوات ، وكلّ سماء يقال لها : رقيع ، والجمع أرقعة . وقيل : الرقيع اسم سماء الدنيا » .
( 2 ) انظر : فتح الباري 7 : 331 . السنن الكبرى ( البيهقي ) 6 : 58 .
( 3 ) المستدرك 11 : 128 ، ب 61 من جهاد العدوّ ، ح 19 . وانظر : المبسوط 1 : 553 . التذكرة 9 : 112 . المسالك 3 : 36 . جواهر الكلام 21 : 110 .
( 4 ) الوسائل 15 : 59 ، 60 ، ب 15 من جهاد العدوّ ، ح 3 ، وانظر : التذكرة 9 : 112 . جواهر الكلام 21 : 111 .
( 5 ) السنن الكبرى ( النسائي ) 5 : 207 ، ح 8680 .
( 6 ) المسالك 3 : 36 . جواهر الكلام 21 : 110 .