ورغم التقارب الكبير بين الإسراف والتبذير واستعمال أحدهما بدل الآخر في موارد متعدّدة من الفقه - بل إنّ البعض نفى الفرق بينهما « 1 » وذهب إلى اتّحادهما في المعنى فقال : الإسراف والتبذير هو تجاوز الحدّ في الإنفاق بنحو يوجب إفساد المال من دون غرض عقلائي « 2 » ، وقال أيضا : لا يبعد كون المحرّم هو الإسراف الموجب للإضرار بالمال وإفساده من دون غرض عقلائي ، الذي لا يبعد كونه متّحداً مع معنى التبذير « 3 » ، وجعلهما صاحب الجواهر عنواناً واحداً يدخل تحتهما إتلاف المال وتضييعه « 4 » - إلّا أنّه رغم ذلك كلّه ، ذكرت بعض الفوارق بينهما :
منها : أنّ الإسراف يستعمل في تجاوز حدّ الاعتدال في الإنفاق المالي وغيره ، بينما يستعمل التبذير في تجاوز الحدّ في الإنفاق المالي فقط « 5 » .
ولعلّ منه قول أبي عبد اللّه عليهالسلام في رواية عامر بن جذاعة : « . . . إنّ التبذير من الإسراف . . . » « 6 » .
فيكون الإسراف حينئذٍ أعم من التبذير .
ومنها : - وهو الفارق الأهم - أنّ الإسراف هو الإنفاق أكثر ممّا ينبغي ، والتبذير هو الإنفاق فيما لا ينبغي « 7 » ؛ أي أنّ أصل الإنفاق في الإسراف صحيح ومشروع ولكنّه يفوق حدّ الاعتدال أو المقدار اللائق به أو ما يحتاج إليه ، بينما يكون أصل الإنفاق في التبذير غير صحيح وغير مشروع .
وحدّده بعض الفقهاء بأنّ الإسراف هو الإنفاق أكثر من الحاجة ، فيما التبذير هو الإنفاق مع عدم الحاجة « 8 » .
ولكنّ بعض الفقهاء المعاصرين لم يرتضِ هذا الفارق بين الإسراف والتبذير فقال : تداول بين بعض أهل العلم أنّ
هامش
( 1 ) انظر : عوائد الأيّام : 626 ، نسبه إلى شارح المفاتيح .
( 2 ) المنهاج ( سعيد الحكيم ) 1 : 437 .
( 3 ) مصباح المنهاج ( الاجتهاد والتقليد ) : 283 - 284 .
( 4 ) انظر : جواهر الكلام 18 : 353 .
( 5 ) مصباح المنهاج ( الاجتهاد والتقليد ) : 283 - 284 .
( 6 ) الوسائل 9 : 45 ، 46 ، ب 7 ممّا تجب فيه الزكاة ، ح 1 .
( 7 ) معجم الفروق اللغوية : 51 - 52 .
( 8 ) انظر : الإسلام يقود الحياة ( مؤلّفات الشهيدالصدر ) 12 : 105 .