المحقّق الأصفهاني من أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان حكم عقلي عملي بملاك التحسين والتقبيح العقليين ، ومثله مأخوذ من الأحكام العقلائية التي حقيقتها ما تطابقت عليه آراء العقلاء ؛ حفظاً للنظام وإبقاءً للنوع ، فليس هو حكماً عقلياً عملياً منفرداً عن سائر الأحكام العقلية العملية ، بل هو من أفراد حكم العقل بقبح الظلم عند العقلاء ؛ نظراً إلى أنّ مخالفة ما لم تقم عليه الحجّة ليست من أفراد الظلم من العبد لمولاه ؛ إذ ليس من زيّ الرقّية أن لا يخالف العبد مولاه في الواقع وفي نفس الأمر ، فليس مخالفة ما لم تقم عليه الحجّة خروجاً عن زيّ الرقّية حتى يكون ظلماً ، فالعقوبة عليه ظلم من المولى على عبده ؛ إذ العقوبة على ما لا يوجب العقوبة عدوان محض وإيذاء بحت بلا موجب عقلائي ، فهو ظلم ، وهو قبيح من كلّ أحد بالإضافة إلى كلّ أحد ولو من المولى إلى عبده « 1 » .
وقرّره السيّد الشهيد الصدر بما يلي : إنّ هذه القاعدة فرد من أفراد حكم العقل في باب الحسن والقبح العقليين اللذين مرجعهما إلى قضيّتي حسن العدل وقبح الظلم ، وفي المقام بعد افتراض المولوية نرى أنّ مخالفة تكليف تمّت عليه الحجّة خروج عن زيّ العبودية ، فيكون ظلماً قبيحاً ، وأمّا مخالفة ما لم تتمّ عليه الحجّة فليس ظلماً ولا يستحقّ فاعله العقاب واللوم « 2 » .
الدليل الرابع : ما ذكره المحقّق الأصفهاني أيضا مبنيّاً على مصطلحه في باب الحكم والتكليف ، حيث إنّه قسّم الحكم إلى إنشائي وحقيقي ، والأوّل : ما يحصل بالجعل والإنشاء من دون أن يفرض فيه داعي البعث والتحريك ، الأمر المحفوظ حتى في الأوامر الاستهزائية فضلًا عن الاختبارية ، والثاني : ما يحصل بالجعل بداعي التحريك والبعث الحقيقي ، وهو الذي يكون حكماً حقيقياً .
ومن الواضح أنّ كلّ خطاب لا يعقل أن يكون باعثاً إلّا أن يصل إلى المكلّف ؛ إذ لا يمكن أن يكون الحكم مجعولًا بداعي البعث والتحريك إلّا إذا كان واصلًا ؛ لعدم الباعثية في غير صورة الوصول ، إذن
هامش
( 1 ) نهاية الدراية 4 : 84 . وانظر : بحوث في علم الأصول 5 : 27 .
( 2 ) بحوث في علم الأصول 5 : 27 .