الرضا عليه السلام قال : « . . . فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنّ اللَّه بعثني بالرحمة لا بالعقوق » « 1 » ، حيث جعل العقوق مقابل الرحمة ، فترك البرّ والرحمة عقوق ، بل صريح عنوان باب الوسائل « 2 » وغيره « 3 » وجوب البِرّ ، وظاهرهم أنّه كذلك مطلقاً .
إلّاأنّه من الواضح أنّ هذا التضادّ على إطلاقه غير صحيح ؛ ضرورة أنّ ترك البرّ والإحسان في كثير من موارده لا يساوي العقوق ، فإنّ بذل المال الكثير لهما وإنعامهما بالزائد عن المعتاد المتعارف وفوق رغبتهما بِرٌّ بهما ، ولكنّ تركه ليس عقوقاً قطعاً .
فالصحيح القول بوجوب البرّ والإحسان في خصوص بعض مراتبه التي يعدّ العدول عنه عقوقاً لهما ، وموجباً لإيذائهما ، كمنع الحقوق الواجبة ، ومخالفة الأمر والنهي مطلقاً غير مخالفة اللَّه أو مع ترتّب الإيذاء ، بل منع الحقوق غير الواجبة إذا ترتّب على تركها الإيذاء ، أو كان بحيث يعدّ العدول عنها عدولًا عن المصاحبة بالمعروف الواجبة بالآية ، وإلّا فربّ برٍّ وإحسانٍ لا يكون تركه كذلك .
فينبغي حينئذٍ حمل إطلاق النصوص وكلمات الفقهاء في وجوب برّ الوالدين على هذه الصورة ، وما زاد على ذلك فهو مندوب .
قال الحلبي : « برّ ذوي الأرحام على ضربين : واجب وندب ، فالواجب برّ الوالدين على الولد بشرط الحاجة ، والولد عليهما بشرط السعة . . . والمسنون برّ الوالدين والولد وإن كانا ذوي يسار » « 4 » .
نعم ، البرّ إليهما في نطاقه الواسع الشامل للمندوب لا حدّ له في الشريعة ، وإليك التعرّض لبعض آياته وأخباره :
قال اللَّه سبحانه وتعالى :
« إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً »
« 5 » .
هامش
( 1 ) الوسائل 21 : 490 ، ب 93 من أحكام الأولاد ، ح 1 .
( 2 ) الوسائل 21 : 487 ، 490 ، ب 92 ، 93 من أحكامالأولاد .
( 3 ) مستند الشيعة 10 : 503 .
( 4 ) الكافي في الفقه : 177 .
( 5 ) الإسراء : 23 ، 24 .