فذهب الاصوليّون منهم إلى البراءة ، والأخباريون إلى أصالة الاحتياط ، ولكلّ منهم دليله ، وسيأتي ذكر بعضها .
د - أدلّة البراءة :
استدلّ الأصوليون على البراءة بالأدلّة الأربعة - الكتاب والسنّة والعقل والإجماع - من هنا جاء تقسيم البراءة إلى عقلية وشرعيّة ، فإنّ المراد بالأولى ما كان الدليل المؤمّن عن التكليف والنافي له عند عدم بلوغ حكم الشارع هو العقل ؛ استناداً إلى القاعدة العقلية ( قاعدة قبح العقاب بلا بيان ) ، بينما المراد بالثانية حكم الشرع ببراءة ذمّة الإنسان من التكليف عند الشكّ فيه واليأس من تحصيله .
وبعبارة أخرى : إذن الشارع في ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك استناداً إلى بعض الآيات والروايات ، وبهذا يتّضح اختلاف الاستدلال على البراءة ، ومجمل الدليل ما يلي :
أمّا البراءة العقلية فمجمل دليلها هو أنّ العقل يستقلّ بقبح عقاب المكلّف ومؤاخذته قبل وصول التكليف إليه ولو بالفحص ، إمّا بتقريب أنّ هذه القاعدة من الوجدانيات العرفية والعقلائية في باب المولويات العقلائية ، حيث إنّهم لا يؤاخذون على ارتكاب مخالفة التكليف الواقعي في موارد الجهل وعدم العلم بالحكم الواقعي ، ولا الظاهري الإلزامي ، فيكون هذا منبّهاً على ارتكازيّة قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعقليّتها .
وقد أورد عليه بأنّه مبنيّ على إلحاق حقّ الطاعة والمولويّة الحقيقيّة الثابتة للَّه تعالى بحقّ الطاعة الثابت في ارتكاز أهل العرف للموالي العرفية ، بادّعاء أنّ حقّ الطاعة والمولوية أمر واحد لا درجات لها ولا مراتب ، مع أنّه محلّ الكلام ؛ إذ للقول بالفرق بين الموالي العرفيّة والحقيقية مجال واسع .
وإمّا لما ذكره المحقّق النائيني قدس سره من أنّ العقاب على ترك التحرّك ممّا لا مقتضى للتحرّك فيه قبيح ، وقد عدّها من القضايا التي قياساتها معها « 1 » .
وأورد عليه أيضاً بأنّ ذلك إنّما يصدق في المحرّك التكويني حيث تكون
هامش
( 1 ) انظر : دروس في علم الأصول ( مصنّفات الشهيد الصدر ) 4 : 321 - 322 .