شمول أدلّة الأصول - ومنها : البراءة - لأطراف العلم الإجمالي ؛ لفرض وجود العلم - ولو إجمالًا - وإمّا لتعارض الأصول وتساقطها ، على خلاف بينهم في ذلك « 1 » .
نعم ، وقع الخلاف بينهم في خصوص الحكمي التحريمي ، حيث حكم الاصوليّون بجريان البراءة ، والأخباريون بالاحتياط على ما فصّل في محلّه « 2 » .
وأمّا التكاليف غير الإلزامية - أي الكراهة والاستحباب - فلا كلام عندهم في عدم جريان البراءة العقلية فيها ؛ إذ بناء البراءة العقليّة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والعقاب منفيّ في هذه الموارد قطعاً ؛ لفرض عدم إلزام في محلّ الكلام ، فلا موقع لهذه القاعدة « 3 » .
نعم ، وقع الكلام في جريان أدلّة البراءة الشرعية فيها ، وقد يقال بالعدم « 4 » ؛ لفرض قطعيّة استحباب الاحتياط فيها شرعاً « 5 » ، فلا معنى بعد ذلك للتمسّك بأدلّة البراءة في رفع هذا الاستحباب . وقد أجيب عن قطعيّة الاستحباب المزبور شرعاً .
واستدلّ لعدم جريان البراءة بأنّ أدلّة البراءة الشرعية ناظرة إلى نفي الكلفة والإلزام ، وأيضاً هو وارد في سياق الامتنان ، ولا امتنان في رفع الحكم غير الإلزامي الذي في امتثاله ثواب وليس في عصيانه عقاب محتمل « 6 » .
وقد يفصّل في ذلك بين الاستقلاليّة والضمنيّة ، فيقال بالجريان في الثانية دون الأولى « 7 » .
هذا كلّه في الأحكام التكليفية ، وأمّا الوضعيّة فالظاهر عدم الخلاف بينهم في جريان الأصول العمليّة من البراءة والاستصحاب في المستقلّة منها كالملكية والزوجيّة ونحوهما ؛ إذ هي كسائر الأحكام التكليفيّة مجعولة للشارع
هامش
( 1 ) انظر : دراسات في علم الأصول 3 : 226 . دروس في علم الأصول ( مصنّفات الشهيد الصدر ) 4 : 339 - 344 . بحوث في علم الأصول 5 : 149 - 150 .
( 2 ) انظر : القوانين 2 : 16 . فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 20 .
( 3 ) انظر : مستمسك العروة 5 : 15 .
( 4 ) انظر : مستند الشيعة 13 : 8 . مصباح الفقيه 9 : 37 .
( 5 ) انظر : أحكام الخلل في الصلاة ( تراث الشيخالأعظم ) : 290 . مستند العروة ( الصوم ) 2 : 419 .
( 6 ) انظر : بحوث في علم الأصول 5 : 149 - 150 .
( 7 ) دراسات في علم الأصول 3 : 246 - 247 . وانظر : مستمسك العروة 13 : 15 .