عدم اشتراط البراءة من الكفّار في تحقّق الإسلام :
ثمّ إنّ البراءة هذه هل هي معتبرة في الإسلام والإيمان - جزءً أو شرطاً - بمعنى عدم انعقاده إلّابها ، أو تكون واجباً شرعيّاً مستقلّاً ، أو هي ممّا يلازم الإيمان ؟
الظاهر من كلمات الفقهاء فيما ينعقد به الإسلام والإيمان وكذا الأخبار الواردة في ذلك انتفاء الأوّل ، حيث لم يتعرّضوا لاعتبار البراءة في شيء منهما « 1 » .
نعم ، قد تكون هي من لوازم الإيمان بمعناه الأخصّ بل الأعم ؛ إذ هي اعتقاد بالربوبية والوحدانية والرسالة والولاية ، وليست مجرّد تلفّظ . والاعتقاد بالدين وما يشتمل عليه يلازم البراءة ممّا يضادّه ويعانده ، ولا يجتمع معه في الاعتقاد ، وما جعل اللَّه لرجل من قلبين في جوفه .
لكن هذا اللازم لا يجب التلفّظ به في الإسلام ولا الإيمان ، بل ولا يجب إخطاره في القلب لعدم الدليل . نعم ، هي مكنونة في ارتكاز المؤمن لا محالة ، وبعد التفاته إلى التلازم المزبور ينعقد ضميره على نفي ما يضادّه والبراءة منه لا محالة ؛ ولذا يكون عدم البراءة - مع الالتفات المزبور - من علائم النفاق وإضمار الكفر والإنكار .
ولعلّ ما مرّ من الأخبار الظاهرة في عدم الاعتداد بالإيمان مع عدم البراءة ناظرة إلى هذه الجهة ، وليست جزء الإيمان .
ومن المؤشّرات على ذلك حكم الفقهاء في توبة المرتدّ إذا كان ارتداده بإنكار الالوهيّة أو الوحدانيّة أو الرسالة ، أو بالعدول من الإسلام إلى دين آخر ، حيث حكموا بكفاية الإقرار بالألوهية والرسالة والرجوع إلى الإسلام بالشهادتين ونحوهما وعدم اعتبار البراءة من سائر الأديان وممّا كان يعتقد به حال ردّته ، فلو تبرّأ مضافاً إلى إقراره كان تأكيداً .
نعم ، لو كان ارتداده بإنكار غير الإيمان باللَّه وأصل الرسالة ، فلا يكفي في توبته مجرّد الإقرار بالشهادتين ، بل لابدّ ممّا يدلّ على رجوعه عمّا جحده - مع الشهادتين أو لا معهما - على الخلاف فيه .
هامش
( 1 ) انظر : المسالك 10 : 41 - 42 . جواهر الكلام 33 : 201 - 202 .