مصداق للافتراء على اللَّه ومحكوم بحكمه ، ومحرّم عقلًا ونقلًا ؛ لقوله تعالى :
« قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ »
« 1 » بمقتضى المقابلة الموجودة في الآية بين الافتراء وما ثبت فيه الإذن في البيان والإسناد « 2 » .
وعدم اتّحاد عنواني ( البدعة ) و ( الافتراء ) في المعنى لا يضرّ بالمقصود بعد وضوح كون البدعة والتشريع من مصاديق الافتراء على اللَّه لا محالة ؛ إذ الثاني أعم من الأوّل مصداقاً .
لكن يناقش بأنّ الافتراء لغةً يختصّ بإسناد ما يكون شيناً أو فيه حزازة على خلاف الواقع ، وليس مطلق الكذب فرية .
وقد يرد على هذا البيان بأنّ مفاد الآية حرمة ما ليس فيه إذن واقعاً ، وهو ما ليس من الشرع واقعاً ، وأمّا إسناد ما يكون منه واقعاً ولو لم يعلم به المكلّف فهو وإن كان تشريعاً إلّاأنّه غير مشمول للآية ، فلابدّ لإثبات حرمة التشريع بمعناه الأعم من التماس دليل آخر .
لكن يمكن أن يقال بأنّ احتمال تقوّم عنوان البدعة بأن لا يكون من الدين واقعاً أولى من عنوان التشريع ، فالاستدلال بالآية الكريمة المتقدّمة على هذا التقدير أيضاً صحيح ؛ لأنّ البحث هنا عن حرمة البدعة لا التشريع ، وكأنّه وقع خلط بين المطلبين .
نعم ، هناك بحث آخر وهو : أنّ إسناد ما ليس من الدين واقعاً ولكنّ المكلّف يعتقد بذلك جهلًا مركّباً ليس افتراءً ولا بدعةً ولا تشريعاً ، كما لا يكون محرّماً ، وهذا بنفسه دليل على أنّ التشريع والبدعة والافتراء يكون الجهل والعلم دخيلًا فيه لغةً وشرعاً .
الثاني : دلالة العقل على قبح البدعة والتشريع حيث إنّه تصرّف في ما هو سلطان المولى من تشريع الأحكام ، وهتك لحرمته ، وظلم عليه « 3 » ، بضمّ ما ثبت في الأصول من قاعدة الملازمة بين القبح العقلي والحرمة الشرعية .
ولعلّ هذا هو مراد الشيخ الأنصاري الذي استدلّ على حرمة التشريع بالأدلّة الأربعة التي منها العقل ، قال : « إنّ العمل بالظن والتعبّد به من دون توقيفٍ من الشارع تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة » « 4 » ، بل هو صريح المحقّق النائيني « 5 » .
ولكن أورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّ المشرِّع ببنائه والتزامه وإن تصرّف في ما هو سلطان المولى فيستحقّ بذلك ذمّاً وعقاباً ، حيث إنّه هتك حرمة المولى ، إلّا أنّ ذلك لا يلازمه الخطاب الشرعي المولوي ، والحرمة الشرعية ، كما يكون كذلك في المعصية والتجرّي ، فالحرمة عقليّة صرفة ، ولو ورد خطاب من الشرع في مثل ذلك فهو من باب الإرشاد « 6 » .
هامش
( 1 ) يونس : 59 .
( 2 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 126 . فوائد الأصول 3 : 121 - 122 .
( 3 ) انظر : درر الفوائد ( الآخوند ) : 78 . فوائد الأصول 3 : 120 . أجود التقريرات 2 : 235 ، 239 . نهاية الدراية 2 : 398 . بحوث في الفقه ( صلاة الجماعة ) : 42 . نهاية الأفكار 1 : 465 . بحوث في علم الأصول 3 : 123 . تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 403 .
( 4 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 346 .
( 5 ) فوائد الأصول 2 : 470 .
( 6 ) درر الفوائد ( الآخوند ) : 78 .