تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وهذا أيضاً هو الظاهر من كلام الشيخ الأنصاري حيث قال : « إنّ التشريع هو أن ينسب إلى الشرع شيئاً علم أنّه ليس منه ، أو لم يعلم كونه منه ، لا أن يفعل شيئاً لاحتمال أن يكون فعله مطلوباً في الشرع » « 1 » . وقال أيضاً في موضع آخر : « إنّ العمل بالظن والتعبّد به من دون توقيف من الشارع تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة » « 2 » . وصريح السيّد الخوئي حيث قال : « إنّ التشريع عبارة عن إسناد شيء لا يعلم به إلى الشارع » « 3 » ، وإن قال في موضع آخر : « إلّاأن يكون ذلك على سبيل التشريع الذي مورده العلم بالخلاف » « 4 » ، إلّاأنّ الظاهر أنّه لم يكن في مقام التحديد . ولعلّه الظاهر من آخرين أيضاً « 5 » . وهذا هو الصحيح ؛ فإنّ إسناد ما لا يعلم المكلّف أنّه من الدين إلى الدين معناه أنّه شرّع وتعبّد وألزم نفسه بما لا يعلم أنّه من الدين ، فيكون الإلزام من قبل نفسه لا محالة لا بلحاظ الكشف ورؤية أنّ الشارع قد ألزمه به . ومن هنا يكون التشريع في موارد عدم العلم صادقاً مطلقاً ، كما أنّه في موارد العلم لا يصدق مطلقاً ، أي حتى إذا كان علمه خطأً وجهلًا مركّباً ؛ لأنّه يراه من قبل الشارع وأنّ الشارع ألزمه به ، لا أنّه هو الذي يفترضه ويجعله على نفسه . وهذا واضح بعد التأمّل في المسألة ؛ ولهذا لا يشكّ أحد في عدم حرمة ذلك لا بعنوان البدعة ولا الافتراء ولا التشريع ، وهذا بنفسه دليل على أخذ العلم وعدم العلم في مثل هذه المفاهيم عرفاً وشرعاً . الرأي الثاني : ما ذهب إليه في مقابل هؤلاء بعض العلماء ، من لزوم التفكيك بين الأمرين وحصر التشريع في ( إدخال ما ليس من الدين واقعاً فيه ) وأمّا إسناد ما لم يعلم كونه من الشارع إليه فهو داخل في القول والإفتاء بغير العلم . قال الإمام الخميني : « الثاني : ربما وقع الخلط بين عنواني التشريع والقول بغير علم ، فاستدلّ بما يدلّ على حرمة القول بغير علم على حرمة التشريع ، مع أنّ بينهما فرقاً ؛ فإنّ التشريع عبارة عن إدخال ما ليس في الشريعة فيها ، وإن شئت قلت : تغيير القوانين الإلهيّة والأحكام الإلهيّة بإدخال ما ليس في الدين فيه ، وإخراج ما هو منه عنه ، وهذا ما يسمّى ( بدعةً ) ، فلا كلام في حرمته ومبغوضيّته . وأمّا تفسير التشريع بالتعبّد بما لا يعلم جواز التعبّد به من قبل الشارع ، فإن أريد منه التعبّد الحقيقي جدّاً [ أي الاعتقاد ] فلا شكّ أنّه أمر غير ممكن خارج عن اختيار المكلّف ؛ إذ كيف يمكن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عباديّ ؟ فإنّ الالتزامات النفسانية ليست واقعة تحت اختيار النفس حتى توجدها في أيّ وقت شاء . وإن أريد منه إسناد ما لم يعلم كونه من الشريعة إليها فهو أمر ممكن لكنّه غير التشريع ، بل عنوان آخر محرّم أيضاً ، ويدلّ على حرمته ما ورد من حرمة القول بغير علم ، وما ورد من أدلّة حرمة الإفتاء
هامش
( 1 ) رسائل فقهية ( تراث الشيخ الأعظم ) : 139 . ( 2 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 346 . ( 3 ) مستند العروة ( الصلاة ) 2 / 5 : 72 . ( 4 ) مستند العروة ( الصلاة ) 7 : 213 . ( 5 ) درر الفوائد ( الآخوند ) : 78 . منتهى الأصول 2 : 106 .