منه ، من غير دخل للواقع في ذلك ، فلو فرض أنّ المتعبّد به كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع ، ولكن المكلّف لم يعلم بتشريعه وأسنده إلى الشارع من غير علم ، كان ذلك من التشريع القبيح ؛ لتحقّق تمام المناط والموضوع الذي يستقلّ العقل بقبحه ، ولو انعكس الأمر وأسند المكلّف إلى الشارع ما علم بتشريعه إيّاه وكان في الواقع ممّا لم يشرّعه الشارع لم يكن المكلّف مشرّعاً ، لا أنّه يكون مشرّعاً ولمكان جهله يكون معذوراً عند العقل .
قال المحقّق النائيني : « وبالجملة ، ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلّف أو لا يصيبه ، بل واقع التشريع هو إسناد الشيء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه إيّاه ، سواء علم المكلّف بالعدم أو ظنّ أو شكّ ، وسواء كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع أو لم يكن . . . » « 1 » .
وقال أيضاً : « فبمجرّد عدم إحراز المشروعية يتحقّق تمام ما هو موضوع حكم العقل بقبح الاستناد والتشريع ، فلا يبقى مجال للشكّ حتى يتشبّث بذيل أصالة الحلّ للحلّية التشريعيّة » ، ثمّ قال : « هذا [ كلّه ] بناءً على ما هو التحقيق عندنا من أنّ تمام الموضوع لقبح التشريع هو عدم العلم بالمشروعية . . . وأمّا بناءً على الاحتمال الآخر من أنّ حكم العقل بقبح التشريع إنّما هو مترتّب على عدم المشروعية الواقعيّة ، وكان حكمه بقبح التشريع عند الشكّ في المشروعية من أجل التحرّز عن الوقوع فيما هو الموضوع الواقعي . . . فلأصالة عدم المشروعية مجال » « 2 » .
وقال في موضع آخر : « إنّ الشكّ تمام الموضوع لحرمة التشريع وعدم جواز التعبّد ، فجريان الاستصحاب لإثبات هذا الأثر يكون من تحصيل الحاصل ، بل أسوء حالًا منه » « 3 » .
نعم ، قد يظهر من بعض كلماته أنّ مراده جريان حكم التشريع وهو قبح الإسناد في ما لا يعلم ، لا أنّه البدعة والتشريع موضوعاً « 4 » .
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 3 : 124 .
( 2 ) الصلاة ( النائيني ، تقريرات الكاظمي ) 1 : 315 ، 316 .
( 3 ) فوائد الأصول 3 : 129 .
( 4 ) انظر : فوائد الأصول 4 : 456 .