المورد من باب التزاحم ، وحيث إنّ المكلّف غير قادر على الجمع بينهما كان مخيّراً في مقام الامتثال بينهما ؛ لاستحالة بقاء كلا التكليفين على إطلاقه ، فلابدّ من تقييد كلّ منهما بعدم إتيان متعلّق الآخر ، إلّا إذا كان أحدهما أهم ، فالتقييد حينئذٍ يختصّ بالمهم « 1 » .
وعليه ، فإذا كانت إحدى النفسين المراد إنقاذهما أهم - كنفس المعصوم عليه السلام بالنسبة لغيره من المسلمين ، أو كنفس المؤمن بالنسبة لغيره من المسلمين - تعيّن إنقاذ النفس الأهم ، وفق ما تقدّم ، وأمّا مع تساويهما في الأهمية فيجري القولان المتقدّمان في دوران الأمر بين حفظ نفسه وإنقاذ نفس غيره مع التساوي في الأهمية ، حيث قال بعضهم بالجواز وبعضهم بالعدم .
6 - ضمان ترك إنقاذ النفس المحترمة :
من الواضح أنّ ترك إنقاذ النفس المحترمة من الهلاك مع القدرة على الإنقاذ محرّم في نفسه ، وقد ذكرنا أنّه حتى في حال الشكّ في قدرته على الإنقاذ لا يجوز له الترك ؛ لأنّ في ترك الإنقاذ فوت للمصلحة الواقعية ، والعقل لا يجوّز ذلك ما لم يستند المكلّف إلى عذر شرعي ، فلابدّ من الإقدام ، وإلّا يأثم « 2 » .
لكن يأتي هنا بحث في ثبوت ضمان النفس المحترمة على المكلّف في حال تركه الإنقاذ وهلاك النفس ، وعدم ثبوته . ومقتضى القاعدة عدم ثبوت الضمان إلّا بفعل المكلّف ما يؤدّي إلى هلاك النفس مباشرة أو تسبيباً ، وفي المقام لم يمارس المكلّف فعلًا يحقّق تلف النفس المحترمة بحيث يُنسب الإهلاك إليه ، بل هو تَركَ إنقاذها من الهلاك ، وكان علّة التلف شيئاً آخر كالغرق في الماء أو الاحتراق بالنار ، وربما يكون هلاكها بفعل شخص ثالث ، فالترك لا يترتّب عليه ضمان إذا كانت علّة التلف غيره .
وبعبارة أخرى : الضمان مترتّب على صدق إتلاف مال الغير أو تلفه بعد وضع اليد عليه بلا رضا صاحبه مع التعدّي أو
هامش
( 1 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 403 . مصباح الأصول 2 : 257 .
( 2 ) مستند العروة ( الصلاة ) 6 : 207 .