الأتقياء ) وورد دليل آخر : ( لا تكرم العلماء ) فلا تعارض بينهما ؛ لأنّ الدليل الأوّل لا ظهور له في العموم كي يعارض عموم الدليل الثاني ، بل هو ظاهر في القسم الخاص من العلماء ، وحينئذٍ يتخصّص به عموم الدليل الثاني وينصرف ظهوره إلى غير الأتقياء من العلماء « 1 » .
وأمّا القرينة المنفصلة فلا ترفع أصل الظهور وإنّما ترفع حجّيته ، وهذا معناه انعقاد الظهور الأوّلي للكلام ، وفي قباله انعقد ظهور آخر مخالف له فيتعارضان ، غير أنّ الظهور الثاني رافع لحجّية الظهور الأوّل باعتبار أنّ حجّية الظهور الأوّل موقوفة على أن لا يعدّ المتكلّم الظهور الآخر تفسيراً وكاشفاً للمراد النهائي له ، ومعه يكون المعوّل عقلائياً على الظهور الثاني المعدّ للتفسير وكشف المراد النهائي . وهذا يعني أنّ القرينة المنفصلة لم ترفع أصل الظهور وإنّما رفعت حجّيته .
وتفصيل الكلام موكول إلى علم الأصول .
إنقاذ
أوّلًا - التعريف :
الإنقاذ - لغة - : مصدر أنقذ من النقذ ، وهو التخليص والتنجية « 2 » ، وأنقذه من فلان واستنقذه منه ، أي نجّاه وخلّصه « 3 » .
ويستعمل المعنى اللغوي نفسه في إطلاق الفقهاء .
ثانياً - الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
يتعدّد المتعلّق الذي يرتبط به الإنقاذ وتختلف الأحكام تبعاً لذلك ، وهذا ما نبيّنه على الشكل التالي :
الأوّل - إنقاذ النفس الإنسانية :
ثمّة أحكام تتعلّق بإنقاذ النفس الإنسانية تعرّض لها الفقهاء في محلّه ، وهي كما يلي :
1 - كرامة النفس الإنسانية :
لقد كرّم اللَّه النفس الإنسانية وخصّها بالعناية والتشريف بما لم يوجد في كثير من المخلوقات ، فالنفس الإنسانية ذات كرامة في نفسها ، حيث إنّ الإنسان يختصّ من بين الموجودات الكونية بالعقل الذي يعرف به الحقّ من الباطل والخير من الشرّ والنافع من الضار ، ويزيد الإنسان على غيره من الموجودات في جميع الصفات والأحوال التي توجد بينها والأعمال التي يأتي بها .
وقد سار الإنسان في جميع وجوه حياته الكمالية إلى غايات بعيدة ، ولا يزال يسعى ويرقى ، قال اللَّه تعالى :
« وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا »
« 4 » ، والكلام يعمّ جميع أفراد البشر .
نعم ، قد فضّل اللَّه سبحانه بعض بني آدم بالكرامة الخاصة الإلهية والقرب والفضيلة الروحية ، وأعطى لآخرين منزلة ودرجة
هامش
( 1 ) انظر : مصباح الأصول 3 : 351 . بحوث في علم الأصول 7 : 185 ، 188 ، 196 .
( 2 ) القاموس المحيط 1 : 676 . وانظر : تاج العروس 2 : 582 .
( 3 ) الصحاح 2 : 572 . وانظر : تاج العروس 2 : 582 .
( 4 ) الإسراء : 70 .