الثاني : استظهار ذلك من ظهور الخطابات الشرعية وأنّها باعتبارها تحريكاً مولوياً للمكلّف نحو الفعل أو الترك ، فلابدّ وأن يكون التحرّك والانبعاث نحو الفعل والترك ممكناً لا ممتنعاً ، فلا إطلاق في أدلّة الخطابات الشرعية للممتنع وغير المقدور ، وكلا الدليلين يختصّان بما إذا كان الفعل أو الترك ممتنعاً مطلقاً ، وأمّا إذا كان ممكناً ولو بتوسّط إمكان مقدّماته والتمهيد له فلا قبح في التكليف به ، كما لا وجه لعدم شمول إطلاق الخطاب له ، فالامتناع بسوء الاختيار لترك مقدّمة فعل - كمن ترك السفر إلى الحجّ فامتنع عليه الوقوف بعرفة يوم عرفة - أو فعل ما يوجب ابتلائه بالحرام - كمن دخل الأرض المغصوبة باختياره فاضطرّ إلى الخروج منه الذي هو أيضاً تصرّف غصبي محرّم - فإنّ هذا لا ينافي صحّة العقوبة ولا تنجّز التكليف ولا فعليّته بناءً على اشتراط القدرة في التكليف أيضاً ، كما هو أشهر القولين في بحث شرائط التكليف .
وتفصيل ذلك متروك إلى محلّه من علم الأصول .
3 - حدود القاعدة ودائرتها :
يستفاد من كلمات الفقهاء والأصوليين أنّه لا كلام ولا خلاف في أصل المسألة وإنّما الكلام كلّه في نطاقها سعة وضيقاً ، وذلك أنّ حدود عدم المنافاة هل هو شامل للخطاب والعقاب معاً - كما هو كذلك في مفهومها الكلامي - أو للعقاب فقط دون الخطاب « 1 » .
ومعنى ذلك أنّ الذي يرمي نفسه من شاهق يحرم عليه أن يقع على الأرض ، مع أنّه يمتنع عليه إمساك نفسه من الوقوع .
وهنا يطرح السؤال التالي :
أوّلًا : هل يشمل هذا الشخص الخطابُ بحرمة إلقاء النفس أو وجوب الإمساك من الوقوع وإن كان الامتناع بسوء اختياره ، أم لا ؟
ثانياً : وعلى تقدير عدم شمول الخطاب فهل هو معاقب على ترك حفظ نفسه ، أم لا ؟
هامش
( 1 ) مئة قاعدة فقهية : 70 .