على حالها لا تتغيّر ولا تتبدّل ، فلا يصبح الحرام حلالًا باستفتاء شعبي ، ولا الواجب مباحاً كذلك ؛ لأنّ المشرّع الحقيقي هو اللَّه تعالى ، قال سبحانه :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً »
« 1 » .
ولا يعارضه قوله تعالى :
« وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
« 2 » ؛ لظهوره في غير ما تدخل به الشرع ، فتكون الآية الأولى مقيّدةً - على تقدير إطلاق الثانية - لإطلاقها .
أمّا في غير هذه الدائرة فلا يحظر الشرع ممارسة أسلوب الانتخاب بالتوافق انطلاقاً من المصالح العامة والموازين الشرعية ، فللعمّال أن يتواضعوا فيما بينهم على انتخاب رئيس لهم يتّفقون معه ما دام هذا الأمر لا يختلف مع أيّ حكم شرعي إلهي ، وإنّما هو تدبير إداري وزمني يخضع لنظام المصلحة ؛ استناداً في ذلك كلّه إلى عمومات الوفاء بالعقود وأصالة البراءة .
وانطلاقاً من ذلك يمكن فتح مجال نظام الانتخابات بشرطين اثنين :
الأوّل : أن لا يؤدّي ذلك إلى مخالفة نصّ شرعي ، وبهذا تمتاز الدولة الإسلامية عن الدولة الديمقراطية الليبرالية التي تعتقد أنّه لا يوجد نصّ فوق رأي الشعب .
الثاني : وهو يرجع في روحه إلى الأوّل ، ومحصّله أن لا يكون الانتخاب مؤدّياً إلى تسلّم شخص مسؤوليةً ما ورد في الشرع عدم حقّه في استلامها ، أو يؤدّي إلى سلب صاحب الحقّ حقّه الثابت له في الشريعة ، فلو نصّت الشريعة على أن يكون حاكم المسلمين - مثلًا - فقيهاً عادلًا ، بحيث لا يحقّ لغيره تسنّم هذا المنصب ، فإنّ انتخاب الناس لغيره لا يصيّره الحاكم الشرعي للمسلمين ، ما لم يمضه الحاكم الشرعي الحقّ . نعم ، قد يجوز التعامل معه وفقاً للعناوين الثانوية .
وبهذا يكون النظام الإسلامي جامعاً بين الهوية الدينية والهوية الشعبية في الدائرة التي يحقّ للشعب فيها ذلك .
( انظر : حكومة ، دولة ، ولاية )
هامش
( 1 ) الأحزاب : 36 .
( 2 ) الشورى : 38 .