كانت القبائل إذا أحسّت بالاحتياج إلى رئيس لحفظ نظامها والدفاع عنها في مقابل الأجانب اجتمعت عند من تراه أهلًا لذلك ، فتقاولوا وذكروا الحاجات والشروط ، وبعد حصول التراضي كانوا ينشؤون ما تقاولوا عليه وتراضوا به بمصافقة الأيدي ، وبالإنشاء كانت تثبت الولاية ، كما في البيع طابق النعل بالنعل .
وكما أنّ المصافقة بالأيادي في البيع كانت إحدى الطرق للإنشاء ولكنّها أحكم الطرق عندهم فكذلك في الولاية ، فلذا كانوا يهتمّون بخصوص البيعة « 1 » .
وأمّا الانتخاب فقد ذكر بعضهم أنّه ترشيح عدّة أفراد لمنصب ما وقيام الامّة أو بعضها بانتخاب بعض الأفراد المرشّحة ، فهو يفترض وجود عدّة أفراد مرشّحين وتقوم الامّة بتعيين بعضهم أو أحدهم على حسب المنصب المراد إنشاؤه .
وبذلك يفترق الانتخاب عن البيعة ، بأنّ الأخيرة لا يفرض فيها وجود مرشّحين ، إنّما تتمّ البيعة إمّا بعد ثبوت إمامة أو ولاية شخص ما لتكون مؤكّدة ، وإمّا لتجديد العهد على ولاية شخص ، وإمّا لتعيين شخص واحد بعد تصدّيه أو ادّعائه « 2 » .
والصحيح أن يقال : إنّ الانتخاب تارةً يُفرض بمعناه العام وأخرى يفرض بمعناه الخاص سياسياً ، فإن اخذ المعنى الأوّل كانت النسبة هي العموم والخصوص من وجه فقد تكون بيعة بلا انتخاب ، كما لو كانت بالإكراه والإجبار ، وقد تكون مع انتخاب واختيار ، وقد يكون هناك انتخاب بلا بيعة ، كما لو انتخب الإنسان عملًا له فهذا يصدق عليه الانتخاب بالمعنى اللغوي العام ولا يصدق عليه بيعة .
أمّا إذا اخذ المعنى الثاني ، فحيث كانت روح البيعة عبارة عن العهد على الطاعة فيما بويع عليه كان كلّ انتخابٍ بيعة ، لكن ليست كلّ بيعةٍ انتخاباً لإمكان البيعة مع إكراه ، وأمّا أخذ قيد الترشّح المسبق من قبل الراغبين في ذلك فليس قيداً في حقيقة الانتخاب ، وإنّما مقدّمة عادية له .
هامش
( 1 ) دراسات في ولاية الفقيه 1 : 523 . وانظر : ولاية الفقيه الدستور الإلهي للمسلمين : 86 - 91 .
( 2 ) ولاية الفقيه الدستور الإلهي للمسلمين : 95 - 96 .