الانتحار إلّاأنّه حال مانع دون تحقّق قصده ولم يمت نتيجة لذلك المانع ، حيث يقال : إنّه لا خلاف في استحقاقه الإثم حيث إنّه تجرّأ وأقدم على قتل نفسه وإن لم يتحقّق الانتحار بالفعل ، وعليه لابدّ له من التوبة إلى اللَّه من هذا الفعل كي يدفع عنه العقاب الأخروي .
وفي بعض الأنظمة الوضعية هناك من يعتبر الشروع في الانتحار جنحة أو جناية ، أمّا تطبيق القانون على الجاني حين يفشل في قتل نفسه فنادر جدّاً « 1 » .
خامساً - الإكراه على الانتحار :
لو أكره شخص على قتل نفسه ، فهل يجوز له قتل نفسه أم لا ؟
الظاهر أنّه لا إشكال في أنّه لا يتحقّق الإكراه ولا يجوز الإقدام فيما إذا كان ما توعّد به دون القتل كما صرّح بذلك الفقهاء في مسألة الإكراه على قتل الغير ؛ إذ لا يظهر الفرق بين المقامين ، وإنّما الكلام فيما إذا توعّده بالقتل ، والمعروف بين الفقهاء في تلك المسألة عدم الجواز للروايات النافية للتقية في الدماء ، ولعدم رافعية الإكراه حرمة قتل الغير لورودها مورد الامتنان ، وأمّا في هذه المسألة فيقوى الإشكال ويشتدّ عمّا هو عليه في الإكراه على قتل الغير ، من جهة الفائدة من امتثال هذا الأمر المكره عليه وعدمه ؛ لأنّ نتيجته قتل نفسه فلا معنى للاضطرار في هذا الحال ، وإلى هذا الأمر أشار بعض الفقهاء ، قال الشهيد الثاني : « لو أكرهه على قتل نفسه ، بأن قال : اقتل نفسك وإلّا قتلتك ، فقتل نفسه ، ففي وجوب القصاص على المكرِه وجهان ، منشؤهما أنّ الإكراه هل يتحقّق للعاقل على هذا الوجه أم لا ؟ أحدهما : نعم ، فيجب القصاص على المكرِه ؛ لأنّه بالإكراه على القتل والإلجاء إليه قاتل له . وأظهرهما : المنع ، وأنّ ذلك ليس بإكراه حقيقة ؛ لأنّ المكرَه من يتخلّص بما امر به عمّا هو أشدّ عليه ، وهو الذي خوّفه المكرِه به ، وهنا المأمور به القتل والمخوّف به القتل ، ولا يتخلّص بقتل نفسه عن القتل ، فلا معنى لإقدامه عليه ، فظهر بذلك رجحان عدم تحقّق إكراه العاقل عليه » « 2 » ، وإليه ذهب المعظم « 3 » .
نعم ، قد يقع الكلام فيما لو كان التخويف بقتل أشدّ وأصعب من النوع الذي يقتل به المكرَه نفسه ، فهنا قد يقال بتحقّق الإكراه على قتل النفس « 4 » .
قال الشهيد الثاني : « نعم ، لو كان التهدّد بقتل أشدّ ممّا يقتل به المكره نفسه - كقتل فيه تعذيب - اتّجه تحقّق الإكراه حينئذٍ ؛ لأنّ المكره يتخلّص بما أمر به عمّا هو أشدّ عليه ، وهو نوع القتل الأسهل من النوع الأشقّ » « 5 » .
ولكن قد يناقش فيه بأنّ هذا الاعتبار لا يسوّغ قتل النفس المنهي عنه ، قال المحقّق النجفي : « وقد يناقش بأنّ ذلك لا يقتضي جواز قتله لنفسه المنهي عنه ، فلا حكم لإكراهه المزبور ، وحينئذٍ يكون المباشر أقوى من السبب ، واحتمال الجواز
هامش
( 1 ) المعجم القانوني 1 : 62 .
( 2 ) المسالك 15 : 90 .
( 3 ) الإرشاد 2 : 197 . مجمع الفائدة 13 : 405 . جواهر الكلام 42 : 54 . وانظر : التحرير 5 : 426 .
( 4 ) كشف اللثام 11 : 36 .
( 5 ) المسالك 15 : 90 .