ذي آلام شديدة مستمرة يصعب تحمّلها مع علمه بأنّ نتيجته الموت بعد مدّة طويلة أو قصيرة .
فيقع البحث حول حكم هذا الشخص في هذه الصور المختلفة إذا اختار أو لجأ إلى القتل الأسهل تخلّصاً من الفرد الأصعب منه ، فهل يعتبر منتحراً أم لا ؟
أمّا صورة التهديد بالقتل الأصعب فسيأتي البحث عنها عند البحث عن مسألة الإكراه على الانتحار .
وأمّا باقي الصور كما في حالة إلقائه في نار متأجّجة فيقفز منها إلى الماء وهو يعلم أنّه سيغرق ، فهنا لم يتعرّض الفقهاء إلى حكمه من الناحية التكليفية ، وإنّما تعرّضوا له من حيث الضمان حيث قووا الضمان على الملقي له في النار ؛ لأنّه السبب الأصلي لموته ، فإنّ من ألجأه إلى إلقاء نفسه في الماء هو فعل الملقي له في النار ، قال العلّامة الحلّي : « ولو لم يمكنه الخروج إلّا إلى ماء مغرق فخرج ففي الضمان إشكال ، ولو لم يمكنه إلّابقتل نفسه فالإشكال أقوى ، والأقرب الضمان ؛ لأنّه صيّره في حكم غير مستقرّ الحياة » « 1 » . ونحوه الشهيد الثاني في الروضة « 2 » ، والفاضل الأصفهاني في كشف اللثام « 3 » .
وكذلك لا يعتبر منتحراً أيضاً في صورة ما إذا داهمته النار ففرّ منها برمي نفسه من شاهق أو ألقى نفسه في الماء فمات ، فهو لم يقتل نفسه عمداً بل فرّ من النار التي داهمته تخلّصاً من الحرق الشديد إلى الماء اضطراراً .
نعم ، قتل المريض نفسه تخلّصاً من المرض العضال الذي أصابه وتعجيلًا لموته بدلًا من مكافحته للآلام التي يسببها المرض - مهما كانت شدّتها - يصدق عليه عنوان الانتحار وتترتّب عليه الآثار المتقدّمة الذكر ، حيث ورد في الأدلّة ما يمكن تطبيقه على هذه الصورة ، كرواية ناجية عن أبي جعفر عليه السلام - في حديث - أنّه قال : « إنّ المؤمن يبتلى بكلّ بليّة ويموت بكلّ ميتة ، إلّاأنّه لا يقتل نفسه » « 4 » .
هامش
( 1 ) القواعد 3 : 585 .
( 2 ) الروضة 10 : 21 .
( 3 ) كشف اللثام 11 : 20 .
( 4 ) الوسائل 29 : 24 ، ب 5 من القصاص في النفس ، ح 3 .