كان معنى ذلك التعبّد بحكمين متماثلين ، أحدهما واقعي والآخر ظاهري ، ومجرّد الاختلاف بينهما في المرتبة لا يغيّر من واقع الأمر شيئاً .
فإذا كانت الصلاة واجبةً واقعاً ودلّ الخبر الآحادي على وجوبها ، وكان حجّةً ، ثبت الوجوب الظاهري ببركة الخبر إلى جانب الوجوب الواقعي الثابت من الأوّل ، واجتماع وجوبين من اجتماع المتماثلين ، وهو محال .
أمّا إذا لم يطابق مؤدّى الأمارة الحكم الواقعي فإنّ معنى ذلك أنّ الصلاة واجبة واقعاً ، لكنها صارت بالأمارة الدالّة - مثلًا - على حرمتها حراماً ، فاجتمع الوجوب والحرمة ، وهما متضادّان لا يجتمعان ، وهذا ما يعرف بشبهة التضاد .
2 - ما يسمّى بشبهة نقض الغرض ، وحاصلها : أنّ صلاة الفجر إذا كانت واجبةً مثلًا ، ثمّ جاء خبر آحادي دالّ على وجوبها ، فإنّ القول بحجّيته وجعل الحكم الظاهري في مورده معناه أنّ المولى قد نقض غرضه ؛ لأنّ غرضه تحصيل العبد للمصلحة الموجودة في صلاة الفجر ، لكنه بسماحه له بالأخذ بالظن الآتي من خبر الواحد يكون قد فوّت عليه مصلحة صلاة الفجر الواقعية ، ونقض الغرض مخالف للحكمة الإلهية ، فيقبح صدوره من الحكيم تبارك وتعالى « 1 » .
ولحلّ هذه الإشكالات طرح علماء الأصول عدّة نظريات لتبرير التعبّد بالظن ، وأهمّها :
أ - نظرية المصلحة السلوكية التي دافع عنها الشيخ الأنصاري ، وحاصلها : أنّ قيام الظن المعتبر على أمرٍ ما يجعل مصلحةً في اتّباعه ، فنفس اتّباع الظن المعتبر يحقّق مصلحةً حقيقية ، وهذه المصلحة تجبر الذي فات من مصلحة الواقع ، وبهذا لا ينقض المولى غرضه .
كما لا يوجد تضاد بين الأحكام ؛ لأنّ الحكم الواقعي انصبّ على شيء والظاهري
هامش
( 1 ) انظر : القوانين 2 : 416 - 417 . الفصول الغروية : 271 . فوائد الأصول 3 : 89 ، 99 - 100 . نهاية الأفكار 3 : 57 - 59 . بحوث في علم الأصول 4 : 188 - 189 . مصباح الأصول 2 : 91 - 92 .