بل يمكن الاستدلال بأنّ القدر المتيقّن من الأمر والنهي هو الأمر والنهي اللسانيّان ، فتدلّ الأدلّة عليهما ، علماً أنّ الانتقال إلى المرتبة الأعلى قد يصاحبه عادة محذور حرمة بعض التصرّفات غير الضرورية مع المسلم كإهانته أو التشدّد معه ، فيقع التعارض أو التزاحم بين دليل الأمر بالمعروف ودليل حرمة أذيّة المؤمن ، وحيث يمكن تحقيق متعلّق الأوّل بدون معارضة الثاني ولا مزاحمته فيتعيّن الجمع بين الدليلين أو الامتثالين بالأخذ بالمرتبة الأيسر ، ولعلّه لهذا حصل تسالم على هذا الترتيب في كلمات الفقهاء .
ثمّ إنّه على القول بوجوب العمل على الأيسر فالأيسر بين المرتبة الأولى والثانية وكذا بين مراتبها ، فلو علم عدم تأثير ما ذكر انتقل إلى التحكّم بالأمر والنهي ، ويجب أن يكون من الأيسر في القول إلى الأيسر مع احتمال التأثير ، كما هو مقتضى تصريح الفقهاء على أنّ دفع المنكر وإقامة المعروف بأيّة وسيلة ممكنة إنّما يكون بالأيسر فالأيسر ، ولا يجوز التعدّي ، سيّما إذا كان المورد ممّا يهتك الفاعل بقوله ؛ لحرمة الهتك والإيذاء إلّابقدر الضرورة فتقدّر بقدرها ، كما قلنا « 1 » .
ولو كان بعض مراتب القول أقلّ إيذاءً وإهانة من بعض ما ذكر في المرتبة الأولى يجب الاقتصار عليه ، ويكون مقدّماً على ذلك ، فلو فرض أنّ الوعظ والإرشاد بقول ليّن ووجه منبسط مؤثّر أو محتمل التأثير ، وكان أقلّ إيذاءً من الهجر والإعراض ونحوهما ، لا يجوز التعدّي منه إليهما ، والأشخاص آمراً ومأموراً مختلفون جدّاً ، فربّ شخص يكون إعراضه وهجره أثقل وأشدّ إيذاءً وإهانة من قوله وأمره ونهيه ، فلابدّ للآمر والناهي ملاحظة المراتب والأشخاص ، والعمل على الأيسر ثمّ الأيسر « 2 » .
ولو فرض تساوي بعض ما في المرتبة الأولى مع بعض ما في المرتبة الثانية لم يكن ترتيب بينهما بل يتخيّر بينهما ؛ لعدم ورود ترتيب تعبّدي في النصوص للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل ورد في
هامش
( 1 ) انظر : تحرير الوسيلة 1 : 438 - 439 ، م 1 ، 3 .
( 2 ) تحرير الوسيلة 1 : 439 ، م 6 .