والناهي ولو كانا سافلين ، فلا يكفي فيهما أن يقول : إنّ اللَّه أمرك بالصلاة أو نهاك عن شرب الخمر إلّا أن يحصل المطلوب منهما ، بل لابدّ وأن يقول : صلّ - مثلًا - أو لا تشرب الخمر ونحوهما ممّا يفيد الأمر والنهي من قبله .
كما أنّه لا يكفي في سقوط الوجوب بيان الحكم الشرعي أو بيان مفاسد ترك الواجب وفعل الحرام ، إلّا أن يفهم منه عرفاً ولو بالقرائن الأمر أو النهي أو حصل المقصود منهما ، بل الظاهر كفاية فهم الطرف منه الأمر أو النهي لقرينة خاصّة وإن لم يفهم العرف منه « 1 » .
وقد يقال في مقابل ذلك بأنّه إذا كان الغرض من الأمر والنهي هو تحقيق المعروف والحيلولة دون صدور المنكر من الآخر ، فتكون العبرة أوّلًا وبالذات في الكيفية التي تناسب تحقّق هذا الغرض الأصيل ، فلا تقدّم لصيغة الأمر والنهي على غيرها ، وإنّما التقدّم لكلّ ما من شأنه تحقيق الغرض ، ومجرّد التعبير في النصوص بالأمر والنهي أحياناً لا يفيد تعيّن هذه الصيغة أو المادّة بعد معرفة نكتة الغرض والملاك فيها ، وإنّما ذكر هذان التعبيران لكونهما في العادة دالّين على الدفع والبعث أو الزجر والردع عن فعلٍ ما .
ولعلّ ما يساعد على ذلك أنّ النصوص القرآنية والحديثية استخدمت تعابير أخرى مثل : التبليغ والهداية ، والدعوة إلى الخير ، والجدال بالتي هي أحسن والحكمة والموعظة الحسنة ، ممّا يكشف عن أنّ العبرة بالغرض هنا لا بأسلوب خاص .
ويؤيد ذلك أيضاً اعتبار جملة من الفقهاء مفهوم الأمر والنهي شاملًا لمثل القضاء والحدود والتعزيرات والجهاد وغيرها ممّا يتخطّى دائرة مادة الأمر وصيغته أو مادّة النهي وصيغته .
وعلى أيّة حال ، فالدليل على هذه المرتبة هو الإجماع والتسالم على أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنّما يكون بالأيسر فالأيسر ، وحيث إنّ الأمر والنهي لساناً هو الأيسر بعد إظهار الكراهة والرضا ، فيكون هو المرتبة الثانية .
هامش
( 1 ) تحرير الوسيلة 1 : 426 ، م 11 ، 12 . مباني المنهاج 7 : 156 .