بالمنطوق ثانياً وجوبه على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلًا ، واشترط في الفقرة الثانية ثالثاً كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد معرفة المعروف والمنكر الدالّ بمفهوم الشرط على انتفاء الوجوب عند انتفاء المعرفة ، ورابعاً بمنطوق الجملة الشرطية في قوله عليه السلام : « وإلّا فلا » ، فإنّ معناها : إن لم يكن معرفة أو طاعة فلا يجب أمر ولا نهي .
لكن ناقش فيه بعض المتأخّرين :
أوّلًا : من حيث السند ، بأنّ مسعدة لم يوثّق ، فالخبر لا يعوّل عليه « 1 » .
وثانياً : من حيث الدلالة ، بأنّ الخبر مسوق لبيان اشتراط الوجوب بالقدرة على الواجب ، وأنّ حصولها متوقّف على العلم والطاعة والقوّة ، فهي جميعاً داخلة تحت هذا الشرط العام ، فليس شرطاً للوجوب مستقلّاً .
وبيان ذلك : أنّ الخبر كما دلّ على شرطية العلم دلّ على شرطية المطاعية في الآمر أيضاً ، وإذا لا يصحّ أن تكون المطاعية شرطاً في الوجوب - لأنّ معنى ذلك لزوم القطع بها وإحرازها - لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع أنّ صريح كلماتهم وجوبه ولو مع الشكّ فيها واحتمالها ، وإنّما يرتفع الوجوب مع القطع بعدم التأثير والطاعة ، أي القطع بعدم وقوع المعروف من تاركه ، ووقوع المنكر من فاعله وإن أمر ونهى .
وإذا كان مناط الوجوب تحقّقهما فالآمر غير قادر على امتثال الواجب حينئذٍ ، وحمل التارك للمعروف على فعله والفاعل للمنكر على تركه ، فيسقط الوجوب ؛ لتعلّقه بغير المقدور ، فرجع الشرط في المطاعية إلى شرط المقدرة في الوجوب . والكلام في شرط المطاعية يأتي بنفسه أو بوحدة السياق في العلم ، فيكون دخيلًا في القدرة في إيجاد الواجب غالباً ، وهي من الشرائط العقلية للوجوب « 2 » .
إلّاأنّ الشرط إذا كان هو القدرة العقلية فهي ليست شرطاً إلّاحدوثاً ، أي كلّما تمكّن المكلّف من تحصيل المعرفة بالمنكر والمعروف - ولو بتعلّم أحكام الدين - وكلّما احتمل تأثير أمره ونهيه كفى ذلك في فعلية الوجوب ؛ لتحقّق القدرة بذلك .
على أنّ ظاهر الحديث المذكور خلافه ، وأنّه لابدّ وأن يحرز المكلّف قبول السلطان الجائر . وكذلك ظاهره سقوطه عن غير العارف أو الضعفة من الناس موضوعاً ، لا بالعصيان الناشئ من عدم التعلّم وتعجيز نفسه .
وقد يستدلّ أيضاً بأنّه مع الشكّ في حرمة ما يفعله الغير أو وجوب ما تركه يحصل الشكّ في الأمر والنهي ، وهو مجرى أصالة البراءة .
ونوقش بعدم جريان أصالة البراءة حيث ثبت بالدليل وجوب التعلّم ، فلا تجري قبله « 3 » .
وفي مقابل هذا القول قولٌ بعدم اشتراط كون الآمر أو الناهي عارفاً بالمعروف والمنكر ، وهو مختار المحقّق والشهيد
هامش
( 1 ) مباني المنهاج 7 : 146 .
( 2 ) انظر : شرح التبصرة 4 : 448 ، 449 .
( 3 ) مباني المنهاج 7 : 146 .