ومنها : المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقارض من نار ، فقلت : من أنتم ؟ قالوا : كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه ، وننهى عن الشرّ ونأتيه » « 1 » .
قال السيّد السبزواري : « لابدّ من العمل بالمعروف ثمّ الأمر به ، وترك المنكر ثمّ النهي عنه » ؛ وعلّله بقوله : « لما يظهر من جملة من الأخبار ، منها : قول علي عليه السلام : « لعن اللَّه الآمرين بالمعروف التاركين له ، والناهين عن المنكر العاملين به » « 2 » .
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر : « يا أبا ذر ، يطلع قوم من أهل الجنّة إلى قوم من أهل النار فيقولون : ما أدخلكم النار وإنّما دخلنا الجنّة بفضل تعليمكم وتأديبكم ؟ فيقولون : إنّا كنّا نأمركم بالخير ولا نفعله » « 3 » » « 4 » .
ويساعد على هذه الأدلّة الاعتبار أيضاً ، فإنّ هداية الغير فرع الاهتداء ، والإقامة بعد الاستقامة ؛ ولهذا قيل : إنّ الإصلاح زكاة نصاب الصلاح « 5 » .
وهذه الأدلّة كلّها قابلة للمناقشة ؛ فإنّ الآيات المتقدّمة وجملة من الروايات إنّما تذمّ تارك المعروف وهو يأمر به ، فجهة الذم ليست الأمر حال الترك ، بل الترك حال الأمر « 6 » .
أمّا الروايات - فمضافاً إلى ضعف سند أكثرها « 7 » - بعضها غير دالّ ؛ فإنّ مرفوعة ابن أبي عمير إنّما تدلّ على لزوم العمل بما يأمر به لا العدالة ؛ إذ قد يكون فاسقاً من جهة لكنه يأمر من جهة أخرى غير جهة فسقه .
وأمّا وجوه الاعتبار فغير واضحة ، فهي أقرب إلى الاستحسان ؛ لإمكان تصوّر الهداية مع عدم الاهتداء كما تفيده بعض الروايات المتقدّمة والآتية .
هامش
( 1 ) البحار 72 : 224 ، ذيل الحديث 1 .
( 2 ) الوسائل 16 : 151 ، ب 10 من الأمر والنهي ، ح 9 .
( 3 ) الوسائل 16 : 152 ، ب 10 من الأمر والنهي ، ح 12 .
( 4 ) مهذّب الأحكام 15 : 237 .
( 5 ) الأربعون حديثاً ( البهائي ) : 217 . جواهر الكلام 21 : 373 .
( 6 ) الأربعون حديثاً ( البهائي ) : 217 . التحفة السنيّة 3 : 19 . وانظر : مهذّب الأحكام 15 : 222 . مباني المنهاج 7 : 152 .
( 7 ) مباني المنهاج 7 : 153 .