الاقتصاد والسرائر نسبته إلى جمهور المتكلّمين والمحصّلين من الفقهاء « 1 » .
قال الشيخ الطوسي في الاقتصاد : « فقال الجمهور من المتكلّمين والفقهاء وغيرهم : إنّهما يجبان سمعاً ، وإنّه ليس في العقل ما يدلّ على وجوبهما ، وإنّما علمناه بدليل الإجماع من الامّة ، وبآي من القرآن ، وكثير من الأخبار المتواترة . وهو الصحيح » « 2 » .
واستدلّ له بضرورة عدم وصول العقل إلى قبح ترك الأمر بذلك على وجه يترتّب عليه العقاب بدون ملاحظة الشرع ، فإنّنا لا ندرك ذلك بعقولنا العملية .
ودعوى أنّ إيجابهما من اللطف الذي يصل العقل إلى وجوبه عليه جلّ شأنه واضحة المنع ، كوضوح الاكتفاء من اللَّه تعالى بالترغيب والترهيب ونحوهما ممّا يقرّب معه العبد إلى الطاعة ويبعد عن المعصية دون الإلجاء في فعل الواجب وترك المحرّم « 3 » .
بل قال العلّامة الحلّي : لو وجبا بالعقل لما ارتفع معروف ولما وقع منكر ، أو كان اللَّه تعالى شأنه مخلّاً بالواجب ، والتالي بقسميه باطل ، فالمقدّم مثله . بيان الشرطية : أنّ الأمر بالمعروف هو الحمل على فعل المعروف ، والنهي عن المنكر هو المنع منه ، فلو كانا واجبين بالعقل لكانا واجبين على اللَّه تعالى ؛ لأنّ كلّ واجب عقلي يجب على كلّ مكلّف حصل فيه وجه الوجوب ، ولو وجبا على اللَّه تعالى لزم أحد الأمرين ، وأمّا بطلانهما فظاهر ، أمّا الثاني فلأنّه تعالى حكيم لا يجوز عليه الإخلال بالواجب ، وأمّا الأوّل فلأنّه يلزم الإلجاء وهو ينافي التكليف . لا يقال : إنّ هذا وارد عليكم في وجوبهما على المكلّف ؛ لأنّ الأمر هو الحمل ، والنهي هو المنع ، ولا فرق في اقتضاء الحمل والمنع الإلجاء بين ما إذا صدرا من المكلّف أو من اللَّه تعالى ، وذلك قول بإبطال التكليف .
لأنّا نقول : لا نسلّم أنّه يلزم الإلجاء ؛ لأنّ منع المكلّف لا يقتضي الامتناع ، أقصى ما في الباب أن يكون مقرّباً ، ويجري مجرى الحدود في اللطفية ؛ ولهذا
هامش
( 1 ) السرائر 2 : 21 .
( 2 ) الاقتصاد : 236 .
( 3 ) جواهر الكلام 21 : 358 .